في ضوء نتائج تحققت بأمل استكمال ما مِن شأنه وضْع المنطقة، ونكاد نقول سائر دول العالم، في مدار استراحة طويلة مِن الذي نعيشه منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، فالمواجهة الأميركية - الإسرائيلية المستهدِفة إيران، حيث تجد الأمتان العربية والإسلامية أنهما للمرة الأولى تعيشان ظاهرة غير مسبوقة، وهي أنه بات للأمتين وسيط متجرد وحريص وصبور يعالج دون كلل، تعقيدات علاقات تشابكت وكما لم يحدُث مثْل هذا التشابك مِن قبْل، ويجد هذا الوسيط آذاناً مصغية وملامح تفتُّح إزاء ثوابت اعتمدها وكانت السبب فيما آلت إليه الأمور.
كان الوسيط المتجرد المتمثل بالقيادة السياسية - العسكرية - الدبلوماسية الباكستانية حالة لم يسبق حدوثها عندما تتطور الأزمات بين دولة عربية أو إسلامية مع الولايات المتحدة أو إحدى دول القارة الأوروبية. ما كان يحدُث هو أن تلك الدول توفد إلى المنطقة مبعوثين لا يعنيهم سوى موقف حكومتهم، فيما سُعاة التهدئة بأمل التوافق، ونعني بهؤلاء رئيس الدولة الباكستانية آصف علي زرداري ورئيس الحكومة شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ووزير الخارجية إسحاق دار، كانوا ينشطون لدى طرفيْ الصراع: الإدارة الترمبية والنظام الإيراني، وكأنَّما يتطلعون إلى تفهُّم فتفاهم فالاستفادة من مواقف تقال عبْر المنصات أو عند التحادث.
ولقد اعتمد الوسيط الباكستاني في السعي لتقريب الموقفيْن المتباعديْن العبارات التي تُحنِّن لتفويت الفرصة على تلك التي تُجنن. وفي هذا السعي المسانَد من جانب المرجعية العربية الأكثر حضوراً واحتراماً في رؤى الإدارة الترمبية والنظام الإيراني، كان الوسيط الباكستاني الذي يخوض للمرة الأُولى تجربة التوفيق في الحد الوسط بين الدولة العظمى الولايات المتحدة وإحدى الدول في منطقة الشرق الأوسط، يأخذ في الاعتبار حساسية العلاقة الأميركية - الإسرائيلية، فلا تشمل هذه سعيه على الأقل ظاهرياً. وهو في ذلك جعل الإدارة الأميركية تتصرف بما يجعل مسيرة الوساطة لا تتعثر، كما جعل النظام الإيراني يأخذ في الاعتبار أنَّ سحابة أجواء مضت حافلة بالتخاطب الذي يستند إلى التحدي مِن المستحسن انقشاعها، فما قيل بات من الماضي، وما مِن المصلحة المشتركة لكلا الدولتيْن تجاوُز مفردات عمَّقت التجافي.
والمأمول حدوثه تَجاوز ما كان يقال بغرض تصليب الموقف، والقراءة بتأنٍ في المسعى الباكستاني التوفيقي المطعَّم بحيوية دبلوماسية قَطَرية فاعلة ومؤازرة عُمانية أهميتهما في أن كلاً مِن الإدارة الأميركية والنظام الإيراني يأخذانها في الاعتبار، وأنهما يصغيان بكثير من الاهتمام إلى نقاط كان هنالك بعض التحفظ المعنوي والتقني إزاءها. وكثيراً ما كان الموقف المتشدد نسبياً يلين عند دخول السعي العُماني - القطَري طرفاً يساند، وبذلك يصبح المسعى مشتركاً من الجانب الباكستاني ثم الجانب المعلَن دوره.
ونقول ذلك على أساس أن الجانب العربي صاحب الدعم المؤثر للوساطة الباكستانية، يهمه إثمار السعي ليس بغرض احتساب حصة من الجنيْ، وإنما من أجْل أن يأخذ الدور الباكستاني غير المسبوق مداه مِن النجاح، وحجْز مكان له للتوسط في حالات حاضرة، وأُخرى تتفاعل تداعياتها بحيث إن عدم إحجام مَن يجعل الصراع العربي - الإسرائيلي لا يلقى فرصة نجاح وعلى قاعدة ما ارتأته القمة العربية في بيروت (2002) التي اتخذت الحل الواقعي للصراع العربي - الإسرائيلي، وهو إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة التي احتُلت قبْل 78 سنة، ولا تزال إسرائيل تقونن احتلالها غير عابئة بقرارات الأمم المتحدة، وتتمدد بحيث باتت هنالك مساحات من جنوب لبنان تحت الاحتلال.
ومن دون أن يأخذ نتنياهو في الاعتبار أن ما جرى سابقاً لن يدوم، وأن مفاعيل الوساطة الباكستانية ستشمل عاجلاً القول من جانب الإدارة الأميركية لحليفه الإسرائيلي: قِف عند حدّك. وهذا قرأناه في نصّ الكاتب الإسرائيلي درعون ليفي المترجَم عن العبرية والمنشور في صحيفة «هآرتس» يوم الثلاثاء 23 يونيو (حزيران) 2026. ففي خاتمة مقال الكاتب نقرأ الآتي: «لقد ظهرت الشقوق الأُولى فعلاً، وبشكل واضح: اتفاق مع إيران وتجاهُل كامل لإسرائيل، التي تجاهلت العالم والولايات المتحدة طوال أعوام. وهذه ليست سوى البداية: فالعالم، الذي هاله ما فعلتْه إسرائيل في قطاع غزة، سيحاسبها. ولن تعود دولة تُرتكب فيها إبادة جماعية مدللة الغرب. ولن تبقى دولة، يشارك مواطنوها في تنفيذ مذابح (بروغرومات) يومية بالتعاون مع جيشهم، شريكاً في أُسرة الأمم. لقد بدأ الحلم يتحقّق. وسيكون كابوساً».
خلاصة القول: ارتدعت إسرائيل عاجلاً، أو لا بد من ارتداعها آجلاً، ما هو مهم أنه بات للأمتين العربية والإسلامية الوسيط الذي بتعاون مع مرجعيات خليجية، يتقن التخاطب، وصبور إلى درجة أنَّ التعقيدات الاستفزازية لا تستوقف المهمة الموكولة من الأمتين له.
بوركت هِمم سُعاة الخير.

