: آخر تحديث

إسكات البنادق... وضرورات اليوم التالي

6
6
5

وسيط وطرفان أسكتوا البنادق في واحدة من أخطر حروب القرن الحادي والعشرين، فقد شهد قصر فرساي التاريخي في باريس توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مذكرة التفاهم مع إيران. كما وقَّع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عليها في طهران، في حين وقَّع شهباز شريف، رئيس وزراء باكستان، بصفته ضامناً في إسلام آباد، رغم أن الجميع لا يزال يتحسَّس مسدسَه، ولا تزال دول الإقليم تترقَّب لعبة الخرائط.

إنَّ للخطر وجوهاً متعددة في تلك الحرب، لا تبدأ من التجرؤ على إغلاق المضائق والممرات البحرية، وتمزيق قانون البحار الذي ينص على حرية المرور العابر والبريء، ولا تنتهي عند إشعال حرب شاملة وكارثية بالقرب من أهم شريان عالمي للطاقة، أي منطقة الخليج الحيوية، تلك التي شكلت على مدى عقود مثالاً للتنمية الاقتصادية، واستلهام الحداثة المعمارية والثقافية، والانفتاح على جميع دول العالم، لكنَّها وجدت نفسها في خضم حرب مرفوضة، طالما حذَّرت من اندلاعها، وحاولت تفاديها، ومنعها بكل السبل، والتحركات الدبلوماسية. ولعلَّ اتفاق بكين الذي رعته الصين بين السعودية وإيران كان أحد الأوتاد الدبلوماسية المهمة في تلك المنطقة الحيوية، لكن الحرب وجهت ضربةً قاسية إلى روح هذا الاتفاق، ورغم ذلك فإن دول الخليج رحبت بتوقيع مذكرة التفاهم، وإسكات القنابل، تمهيداً لصياغة رؤية عربية مختلفة للتعامل مع الرمال العالمية المتحركة. وحين أقول إنَّها واحدة من أخطر الحروب العالمية فلا أبالغ، فقد أثرت في كل اقتصاد العالم حتى أصغر قرية منسية، وعبثت بالقانون الدولي المنظِّم للتجارة، وتدفق السلع، وحرية سلاسل الإمداد، وكشفت مدى هشاشة النظام الدولي القائم.

لا أقول ذلك من باب المبالغة، فالجميع خرج بدروس عميقة، ولذلك رحبوا بتوقيع مذكرة التفاهم، وبدء مفاوضات في سويسرا بين واشنطن وطهران برعاية الوسطاء، للتوصُّل إلى حلول جذرية للملفات الخطيرة: الملف النووي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وحرية الملاحة في مضيق «هرمز»، وترسيخ مبدأ احترام سيادة الدول.

ولا شك أنَّ أهمَّ درس أفرزته هذه الحرب هو النظرة العميقة التي ينبغي أن تتبنَّاها دول الإقليم العربي، تجاه مقدراتها وأمنها، فالمطلوب أولاً امتلاك وسائل الدفاع الكفيلة بردع المغامرين، والطامحين إلى التوسع، وتهديد الطاقة والملاحة والتجارة، مع التفكير بمرونة دبلوماسية في إدارة العلاقات مع أطراف الجوار الإقليمي، ومنعها من التجرؤ مرة أخرى. وقد أعادت تلك الحرب المجنونة طرح سؤال الأمن العربي الجماعي، وقدرة الدول العربية على بناء منظومة ردع وتنسيق مستقلة، تحمي مصالحها بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية والدولية، فقد كشفت عن أنَّ المسألة لم تعد تحتاج إلى فك الألغاز، لأنَّ دول الجوار المختلفة أنشأت لنفسها ميليشيات وأذرعاً مسلحة داخل أطراف الإقليم العربي: في اليمن ولبنان والعراق وفلسطين وسوريا وليبيا والسودان، وزاد الطين بلة أنَّ هذه الأطراف لعبت دوراً بارزاً في تفتيت قوة الدولة العربية الوطنية، وعملت على إضعاف الإقليم العربي واستنزاف موارده.

وطبعاً لا يمكن إغفال العامل الإسرائيلي. فقد وقف وحيداً يعارض مذكرة التفاهم، ويتنبأ بحرب جديدة، ويرفض التوقف عن الحروب في غزة ولبنان وسوريا، ويضيف تركيا إلى قائمة المواجهات المحتملة في وقت قريب.

ولذلك، فإنَّ وصف نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، الموقف الإسرائيلي بأنَّه مصاب بحالة من الذعر لم يكن بعيداً عن الحقيقة، فنهاية الحرب بما آلت إليه كشفت الأعصاب العارية في المنطقة، وأظهرت أنَّ دول الإقليم العربي في حاجة إلى ميثاق مختلف، يقوم على التعاون الأمني والاقتصادي والاجتماعي، ضمن منظومة دفاعية قوية، وانفتاح دبلوماسي عقلاني، يؤكد أنَّ هذه الدول لن تسمح لأي طرف إقليمي بأن يجعل من المنطقة مسرحاً لتصوراته ومشروعاته، سواء عبر تكوين ميليشيات ولائية لهذا الطرف أو ذاك، أم عبر استخدام أراضيها منصاتٍ لإطلاق الحروب، مهما تكن المبررات.

دول الإقليم العربي يجب أن تدافع عن مصالحها الحيوية، وترسل برسالة واضحة إلى جميع الأطراف الإقليمية والدولية بأن «الدرس انتهى».

ويبقى الملف النووي الإيراني، وكذلك الملف النووي الإسرائيلي، من أخطر الملفات على شعوب المنطقة والعالم، والمطلوب العمل على إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل بجميع أشكالها، إلى جانب إيجاد حل عادل ونهائي للقضية الفلسطينية، يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وتوحيد الفلسطينيين ضمن إطار وطني جامع، بعيداً عن الميليشيات، والتوظيف من قبل الأطراف الإقليمية.

ولعلَّ دول الإقليم العربي، بالتوازي مع المفاوضات الأميركية - الإيرانية في سويسرا، تتحرك كخلية نحل واحدة، لصياغة رؤية عربية أكثر تماسكاً، فلن يحمي المنطقة ومقدراتها سوى أبنائها، وقد كشفت تلك الحرب عن أن جميع الأطراف عمدوا إلى إشعالها دون اعتبار حقيقي لمقدرات الإقليم، ومصالح شعوبه، وكادت تدفع العالم كله إلى الاختناق، ومن ثم فإنَّ اليوم التالي للحرب وإسكات البنادق يفرضان علينا التحرك في مسار مختلف، وأعتقد أنَّ الدول العربية الكبرى والوازنة والمسؤولة، وقد رحَّبت بانتهاء هذه الجولة من الحرب، بدأت بالفعل في التفكير في صياغة فلسفة جديدة للأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة، فالحروب تنتهي بتوقيع الاتفاقات، أمَّا السلام الحقيقي فيبدأ عندما تدرك دول الإقليم أنَّ أمنها ومصالحها لا يحميهما إلا أبناؤها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد