: آخر تحديث

حساسية الجيرة الإيرانية

4
4
3

يبقى الجار جاراً، والصديق صديقاً إلى أن تنفجر الخلافات، حينها تطفو الاختلافات، التي كانت الجيرة والمصاهرة والمصالح تخفيها، على السطح.

بالرغم من أن البحر يشكل عامل فصل حيوياً بين الدول، فإنه أصبح، أخيراً، لأسباب عدة، لا يختلف عن الجيرة «الأرضية». كما لا يمكن فصل العلاقة بين إيران وعرب الجزيرة بالذات، عن الوجود العسكري في الجزيرة، قبل الإسلام بقرون، والنتيجة النهائية التي تمخضت عنها تلك العلاقة بانتصار العرب عليها في معارك ثلاث فاصلة، ودخول فارس، وبقية شعوبها، في الدين الإسلامي، وهذا ما سردته، بتفصيل أكبر، في أربع مقالات سيحل موعد نشرها قريباً.

ما تعرضنا له، ودول مجلس التعاون الأخرى، أخيراً، من اعتداءات خطيرة وانتهاكات غير مبررة لأمننا ولاقتصاداتنا، تبقى، إلى حد كبير، ضمن تلك العلاقة التاريخية، التي طالما كانت متوترة، ورأينا صور ذلك التوتر في تصرفات البعض، الذين لا شك لم يقدّروا ظروف دولتهم حق قدرها. ففي المحن الكبرى يصبح الولاء للوطن أمراً حتمياً، لا يمكن لأية سلطة التعامل معه بخفة، وهذا ما رأيناه في أكثر من دولة خليجية، بعد أن قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بالاعتداء على إيران، لترد الأخيرة بصب جام غضبها وصواريخها ودروناتها علينا بحجج لم تكن مقبولة أبداً، خصوصاً أنها استهدفت أبرياء وأهدافاً مدنية صرف، وكان من المؤسف، بل ومن المحزن، عدم تقدير البعض لحكم ذلك الاعتداء.

* * *

في مقال نشر قبل أيام في «الشرق الأوسط»، تساءل المفكر السعودي الكبير عبدالله الغدامي، هل العربية عرقٌ أم لسان؟ وأجاب (بتصرف بسيط): لم أتقبّل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الراحل بشار عواد، وكأنها تدقّ جرس تنبيه لي من غفوة علمية غلبت عليَّ العمر كله، لتكشف لي خطل ظني بأن ليس هناك علمٌ ضار، فأعدتُ النظر في قناعتي، لأرى أمامي عالماً وباحثاً جسوراً ومخلصاً لشرطه العلمي، الذي نذر نفسه له، وخدم التراث العربي تحقيقاً وبحثاً ودراسة، لكنه وقع في فتنة العلم، وهو ما تكشف عنه تلك المقاطع التي تصادفت كلها بأنها عن قضية واحدة حول مقولات لباحثين عرب ومستشرقين، تقول إن عدد الباحثين العجم أكثر من العرب في خدمة القرآن واللغة العربية، والمقصود بالعجم هنا هم المستعربون ممن خدموا العربية والإسلام، والقول إنهم هم الأكثر لا يثير عندي أي حساسية علمية ولا قومية، وكنت وما زلتُ أباهي بمثل هذا القول، وأراه مزية وليس مثلبة نسعى إلى نفيها عن سوء ظن منا بأنها تهدم هرم الثقافة العربية، وأستطيع مقارنة هذه الدعوى بافتراض دعوى بأن اليهود والأفارقة هم من صنعوا أمريكا، فتشومسكي يهودي، وكيسنجر يهودي، ومارتن لوثر كينغ أفريقي، وترامب نفسه ابن مهاجرَين، وكذلك فإن لغة أمريكا مستعارة من الإنكليز، وهذه معلومات صحيحة من جهة، ومغلوطة من جهة أخرى، فالإنكليزية تأمركت، والشخوص المذكورون هنا تأمركوا، ولم يعد العرق ولا الدين ولا اللون ولا اللكنة تُلغِي كونهم أمريكيين، وأمريكا كلها قامت على المهاجرين، الذين لا يمتون إليها بعرق ولا لون ولا لغة. ولكن كل منجز يتحقق منهم هو منجز أمريكي بالحتمية الثقافية، فالثقافة نسب ومعنى وجذر معنوي تصنع وتُعلي كل قيمة، وقد كان لنا مثالٌ مجيد من العصر العباسي بكل نماذجه الشعرية واللغوية والفلسفية والفقهية، وكلها تتداخل فيها الأعراق وألوان الوجوه ولهجات الألسنة وتعدد المشارب داخل بنية كلية شاملة، وبالتالي فإن منجزاتهم هي منجزات عربية في حقبة عربية مجيدة، ومنهم الفارسي والرومي، ومن شعوب ما بين النهرين وشمال أفريقيا.

ولابن خلدون مقولات حاسمة هنا، وهي أن العرب هم العرب العاربة، والمستعربة، والتابعين للعرب، والعرب المستعجمة.

وعبر هذا التصنيف، فإن مَن خدم تراثنا وثقافتنا لن يخرج عن واحدة من هذه الفئات.

وإن كان العجم (أي غير العرب) هم الأكثر، فهذا أعظم منجَز يتحقق لثقافتنا وديننا ولعقليتنا، وإن حاول بعضنا نفي ذلك، فإنهم يضعون علمهم ومهاراتهم في متاهة عبثية لا معنى لها، وهي خلط شائن لا وجه له، وهذه هي الفتنة الخادعة.

ثم لنفترض أننا طرحنا سؤالاً عن العرب، الذين يغطون خريطة الجامعة العربية اليوم، وهل شعوب المنطقة كلها عربٌ بشرط العرق أم هم أجناس عرقية وثقافية متنوعة تجمعها اللغة وهوية المعنى والقيمة؟ ولو كانت العروبة بالعرق للزمنا إثبات عروبتنا بالفحص الجيني.

والواقعي أن كل باحث ومعجمي ومحدث وفقيه وفيلسوف يكتب بلغتنا ويشتغل بفكرنا فهو عربي بالانتماء الثقافي وبالمنتج العلمي. والثقافة سلوك ذهني وعملي يتجلى أبرز ما يتجلى في اللغة، التي هي بوتقة صاهرة تذيب كل التمايزات العرقية واللونية والدينية، وبالتالي لا معنى للسؤال عن العرق هنا.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد