تغريد إبراهيم الطاسان
ليس في حياة الإنسان ما هو أثقل من معركة يخوضها مع شيء انتهى. فالمستقبل، على غموضه، لا يزال قابلًا للفعل والتغيير، أما الماضي فقد أغلق أبوابه ومضى. ومع ذلك فإن كثيرًا من الناس لا يقضون أعمارهم في مواجهة ما هو آتٍ، بل في مطاردة ما فات.
هناك من يعيش سنوات طويلة وهو يحمل سؤالًا واحدًا: ماذا لو؟
ماذا لو اخترت تخصصًا آخر؟ ماذا لو لم أترك تلك الوظيفة؟ ماذا لو وافقت على ذلك الزواج؟ ماذا لو لم أغادر مدينتي؟ ماذا لو قلت تلك الكلمة أو امتنعت عنها؟ ماذا لو تأخرت دقيقة أو تقدمت دقيقة؟ ماذا لو لم يحدث ما حدث أصلًا؟
ومن الغريب أن هذه الأسئلة لا تغير شيئًا في الواقع، لكنها قادرة على تغيير الإنسان نفسه. فهي تسرق طمأنينته، وتستنزف روحه، وتجعله يعيش في حياة افتراضية لا وجود لها إلا في خياله. ولهذا جاء التحذير النبوي العجيب: «فإن لو تفتح عمل الشيطان».
ولأن النصوص العظيمة تتجاوز زمانها، فإن هذا الحديث لا يقدم مجرد توجيه ديني بقدر ما يقدم قانونًا نفسيًا وفلسفيًا لفهم طبيعة الإنسان. فالمشكلة ليست في كلمة «لو»، بل في الوهم الذي تسكنه. إنها الرغبة المستحيلة في إعادة كتابة الماضي، ومحاولة التفاوض مع حدث انتهى، والاعتراض الضمني على مسار لم يعد قابلًا للتعديل.
ولعل الشيطان لم يجد بابًا يدخل منه إلى الإنسان أسهل من هذا الباب؛ باب الحسرة. فالأخطاء يمكن إصلاحها، والجراح يمكن أن تلتئم، والخسائر يمكن تعويض بعضها، لكن الحسرة حين تستقر في القلب تتحول إلى إقامة دائمة في زمن لا يعود.
إن «لو» ليست كلمة لغوية فقط، هي فلسفة كاملة في النظر إلى الحياة. بين إنسان يتعامل مع الماضي بوصفه معلمًا، وإنسانًا يتعامل معه بوصفه سجنًا. بين من يسأل: ماذا تعلمت؟ ومن يسأل: لماذا حدث هذا لي؟ وبين السؤالين تتحدد جودة الحياة كلها.
فلماذا إذن تفتح «لو» عمل الشيطان؟ وما الذي يجعل حرفين صغيرين قادرين على صناعة كل هذا القدر من التعب الإنساني؟
إن الإجابة تبدأ من فهم علاقتنا بالزمن، وبالقدر، وبأنفسنا أيضًا.
من أكثر الكلمات حضورًا في حياة الإنسان كلمة صغيرة لا تتجاوز حرفين: «لو». كلمة تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها قدرة هائلة على إعادة تشكيل المشاعر، وإحياء الندم، واستدعاء الحسرة، وفتح أبواب طويلة من الأسئلة التي لا إجابة لها.
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن لو تفتح عمل الشيطان».
في القراءة السطحية قد يبدو الحديث تحذيرًا من مجرد استخدام كلمة لغوية، لكن المعنى أعمق من ذلك بكثير. القضية ليست في الكلمة، ولكن في الحالة النفسية والفكرية التي تصنعها. فـ»لو» ليست أداة لغة فحسب، هي أداة سفر إلى زمن انتهى، ومحاولة لإعادة التفاوض مع قدر اكتمل وانقضى.
الإنسان بطبيعته كائن يفكر في الاحتمالات. يقف عند مفترقات الطرق ويتساءل: ماذا لو اخترت هذا الطريق بدلاً من ذاك؟ ماذا لو لم أقبل تلك الوظيفة؟ ماذا لو لم اتخذ ذلك القرار؟ ماذا لو لم أغادر؟ ماذا لو بقيت؟
والمشكلة أن العقل حين يعود إلى الماضي لا يعود إليه كما كان، بل يعود إليه بعد أن عرف النتائج. فيصبح حكمه منحازًا. يرى الطريق الذي سلكه مليئًا بالعثرات، بينما يبدو الطريق الذي لم يسلكه مفروشًا بالنجاح والطمأنينة. وهكذا يصنع الإنسان في خياله حياة بديلة أكثر جمالاً من حياته الواقعية، لا لأنها كانت ستكون أجمل فعلاً، لأنها لم تُختبر بعد.
هنا تحديدًا تبدأ «لو» في فتح أبوابها المظلمة. فهي لا تغيّر الماضي، لكنها تسرق الحاضر. تجعل الإنسان يعيش في محكمة دائمة يحاكم فيها نفسه والآخرين والظروف والأقدار. يتحول من التعلم إلى التذمر، ومن الفهم إلى الاعتراض، ومن البناء إلى اجترار الندم.
ولعل أخطر ما تفعله «لو» أنها توهم الإنسان بأن الماضي ما زال قابلاً للتعديل. بينما الحقيقة الكبرى في هذا الكون أن الزمن يسير في اتجاه واحد فقط. لا أحد يستطيع العودة إلى الوراء، ولا أحد يستطيع إعادة كتابة فصل مضى من حياته. ومع ذلك يصر الإنسان أحيانًا على الوقوف أمام باب أغلق منذ سنوات محاولاً فتحه مرة أخرى.
الشيطان لا يحتاج هنا إلى أكثر من ذلك. لا يحتاج أن يغيّر الوقائع، بل يكفيه أن يجعل الإنسان أسيرًا لها. أن يبقيه منشغلاً بما فات حتى يفوته ما هو آت. أن يجعله يستهلك طاقته في مقاومة الماضي بدلاً من صناعة المستقبل.
ومع ذلك فإن الإسلام لا يدعو إلى إلغاء التفكير أو مراجعة التجارب. فالفرق كبير بين مراجعة تتعلم منها، ومراجعة تتعذب بها. الأولى تقول: لو عاد الموقف نفسه لتصرفت بشكل أفضل، وهذه خبرة ونضج. أما الثانية فتقول: لو أن الماضي كان مختلفًا لكنت سعيدًا اليوم، وهذه حسرة لا تنتهي.
ولهذا جاء التوجيه النبوي بديعًا ومتوازنًا: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز». أي اعمل بكل ما تستطيع قبل وقوع الحدث، خطط، واجتهد، واستشر، وابذل الأسباب. فإذا وقع الأمر وانتهى، فلا تجعل حياتك رهينة لـ»لو». عندها يأتي اليقين الهادئ: «قدّر الله وما شاء فعل».
إن السلام النفسي لا يبدأ حين تتغير الأحداث، بل حين يتوقف الإنسان عن التفاوض مع ما لا يمكن تغييره. فالحياة لا تمنحنا فرصة تعديل الأمس، لكنها تمنحنا كل يوم فرصة جديدة لصناعة الغد.
وربما لهذا كانت «لو» بابًا يفتحه الشيطان، لأن الإنسان عندما يغرق في احتمالات الماضي يفقد قدرته على الإمساك بإمكانات المستقبل. وما بين الحسرة على ما كان، والخوف مما سيكون، تضيع أجمل لحظة يعيشها الآن..!

