ناهد الأغا
وصلتني الدعوة المباركة لحضور الملتقى الثاني لحفظ النعمة، فرأيتُ فيها نداء للسفر إلى أعماق سؤال قديم يثقل روحي كلما لمحت الخبز يُرمى في الحاويات، أو شاهدت الماء ينساب هدراً على الأرصفة؛ ذاك السؤال هو: كيف نعيد للأشياء رونقها؟ وكيف نسترد إحساسنا بقيمة العطايا؟
منذ يومين انطلقت أعمال الملتقى برعاية سخية من معالي نائب وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس منصور بن هلال المشيطي، تتويجاً لتراكم واعٍ واعترافاً بأن حفظ النعمة مشروع وطني متكامل يعانق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في الاستدامة والتنمية المجتمعية، إنه الفهم الذي يتجاوز الشعارات ليغدو هندسة اجتماعية واقتصادية وبيئية، تدرك أن كل لقمة تُنقذ من سلة الإهمال هي حياة تُوهب لإنسان، وكل قطرة ماء تُصان هي أمانة تُؤدى لجيل قادم، وكل شراكة تُنسج بين الحكومة والقطاع غير الربحي هي نسيج وطن يزداد تماسكاً.
في كلمة اختزلت روح المرحلة، عبّر مدير عام الإدارة العامة لمنظمات القطاع غير الربحي الدكتور الرمضي بن قاعد الصقري عن جوهر التحول، بوصفه شريكاً تنموياً فاعلاً، يقدّم مبادرات نوعية ويبني شراكات تُعظّم الأثر، ورفع شكره للقيادات الداعمة، وفي مقدمتهم معالي الوزير المهندس عبدالرحمن الفضلي ونائبه، في إيماءة تُذكّر بأن النجاح المؤسسي لا يكتمل إلا حين يُقابل بقيادة تؤمن بأن التمكين هو الطريق الأقصر إلى الاستدامة، وحين نعلم أن وزارة البيئة والمياه والزراعة قد حصدت جوائز في مجال تمكين القطاع غير الربحي، ندرك أننا أمام نموذج يُدرَّس ،لقد أحسن الملتقى إدارة دفة الحوار، فاتجه بها نحو التكامل، وجاءت جلساته بتكامل الجهود الوطنية لتعظيم الأثر وتقليل الهدر.
يُستنتج من تحليل الملتقى أن المملكة العربية السعودية تسير بخطى ثابتة نحو بناء منظومة وطنية متكاملة لحفظ النعمة، تتخذ من رؤية 2030 إطاراً إستراتيجياً، ومن التمكين المؤسسي منهجاً، ومن الشراكات بين القطاعات أداة تنفيذية، لم يعد حفظ النعمة دعوة أخلاقية عابرة، بل أصبح مشروعاً تنموياً يقيس أثره بالاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
ليبقى هذا الملتقى نموذجاً يُدرَّس في كيفية تحويل القيم المجتمعية الأصيلة إلى سياسات تنموية فاعلة، تُسهم في بناء وطن مستدام يحفظ موارده لأجياله القادمة، «وإذا كانت النعم تُحفظ بالشكر، فإن الشكر الحقيقي هو أن تجعل النعمة تصل إلى غيرك قبل أن تصل إليك.»
ختاماً
النعمة دفقة ضوء تتسلل إلى الشقوق، فتحيل الجدب اخضراراً، وهي الندى الذي يهبط على أوراق الحياة في الصباح، فتمتلئ العروق امتناناً صامتاً، وتنتصب السنابل شكراً للسماء.
فيا وطن لك الشكر عدد ما انبثق من رمالك سنابل، وعدد ما خطا على ثراك إنسان رفع رأسه عزةً بك.

