يعكس الاجتماع الوزاري الخليجي-الأميركي، الذي عُقد في العاصمة البحرينية المنامة يوم الخميس 25 يونيو (حزيران) الحالي، وما تضمنه من بحث للمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، أنَّ دول الخليج لا تنظر إلى مذكرة التفاهم بوصفها شأناً ثنائياً بين واشنطن وطهران، بل مسار ستنعكس نتائجه مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها ومصالحها الحيوية. فالتفاهم المبدئي يمثّل خطوة مهمة في اتجاه خفض التصعيد وإنهاء العمليات العسكرية والانتقال من منطق المواجهة إلى مسار التفاوض، غير أنَّ قيمته الحقيقية ستُقاس بقدرته على التحول إلى اتفاق دائم يعالج جذور الأزمة ويمنع تكرارها.
ومن هنا، فإنَّ الترحيب الخليجي بمذكرة التفاهم، ودعم جهود الوساطة والتهدئة التي بذلتها باكستان وقطر، لا يعني الاكتفاء بوقف الحرب أو انتظار ما ستنتهي إليه المفاوضات، بل يؤكد أهمية أن تراعي أي ترتيبات مقبلة مصالح دول الخليج، وأن تعيد حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى وضعها الطبيعي، وتعزز أمن المنطقة والعالم، وتحترم سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بحيث يكون أمن الخليج جزءاً أصيلاً من مضمون الاتفاق النهائي، لا نتيجة لاحقة له.
وبالتالي يكون السؤال المهم والجوهري ليس ما تريده واشنطن من طهران، أو ما تسعى طهران إلى انتزاعه من واشنطن فحسب، بل ما تريده دول الخليج من هذا الاتفاق. فهذه الدول، وإن لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب، كانت في قلب تداعياتها الأمنية والاقتصادية؛ لأنَّ المنطقة هي المجال المباشر الذي ستظهر فيه آثار أي اتفاق، نجاحاً أو إخفاقاً. ومن ثم، فإنَّ أي تسوية قابلة للاستمرار ينبغي أن تنظر إلى أمن الخليج بوصفه جزءاً من جوهر الاتفاق، لا ملفاً مؤجلاً إلى ما بعده.
ولذلك فإنَّ أول المطالب الخليجية هو أن تكون دول الخليج حاضرة في المشاورات المرتبطة بالاتفاق، ومطلعة على مسارات التفاوض وتطوراته، ليس من باب المشاركة الشكلية، بل لأن أي تفاهم بين واشنطن وطهران ستتجاوز آثاره حدود الطرفين لتنعكس مباشرة على أمن الخليج، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، واستقرار المنطقة. وبالتالي فإنَّ التشاور المنتظم مع دول الخليج ومشاركتها في أي اجتماعات لن يعرقل مسار التفاوض، بل بالعكس سوف يعطيه واقعية أكبر، ويضمن أن تُصاغ الترتيبات المقبلة على نحو يراعي مصالح الدول الأكثر تأثراً بتداعيات التصعيد. فدول الخليج لا تريد أن يكون الاتفاق تسوية ثنائية توقف الحرب مؤقتاً، وتترك هواجس الجوار معلقة، بل هو إطار أوسع يضع أمن المنطقة في صلبه، ويجعل الاستقرار نتيجة مشتركة، لا ترتيباً يقرر بعيداً عمن ستنعكس عليه كلفته. فلا نريد تكرار ما حدث في تجربة الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015 في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما. فقد جرت تلك المفاوضات بين إيران ومجموعة «5+1»، في حين غابت دول الخليج عن طاولة التفاوض، رغم أنها كانت الأقرب جغرافياً والأكثر تعرضاً لتداعيات السلوك الإيراني في المنطقة.
وبالتالي كان الاتفاق ناقصاً، وعالج جانباً من الملف النووي وترك الملفات المهمة الأكثر اتصالاً بأمن دول الخليج خارج المعالجة، مثل دعم الجماعات المسلحة، والتدخلات الإقليمية، وتطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. وعليه جاء هشّاً ثم تعثر لاحقاً، لأنَّ أي اتفاق مع إيران لا ينعكس فقط على ميزان القوى الدولي، بل على أمن الجوار المباشر.
كما أن حرية العبور في مضيق هرمز تأتي في قمة المطالب الخليجية، بصفته شرياناً حيوياً لأمن المنطقة والاقتصاد العالمي. والمطلوب هنا ليس فقط إعادة فتح المضيق بعد إغلاقه أو تهديده، وإنما ضمان أن تبقى الملاحة فيه طبيعية وآمنة ومستقرة في كل الظروف، وألا يتحول إلى ورقة تفاوض أو أداة ضغط تستخدم عند كل أزمة.
فالمضيق ممر دولي تتصل به مصالح دول الخليج والعالم، ولا يجوز ربط حريته بأي مباحثات سياسية أو ترتيبات مؤقتة أو قيود استثنائية. وعليه، فإنَّ أي اتفاق نهائي ينبغي أن يكرس بوضوح حرية العبور، وانتظام حركة السفن والطاقة والتجارة، ورفض أي محاولة لفرض سيطرة أحادية عليه، أو فرض رسوم أو ترتيبات مالية مباشرة أو غير مباشرة تمنح إيران قدرة عملية على التحكم في الممر، فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إغلاق المضيق مرة، بل في تحويل أمنه من حق دولي ثابت إلى ملف قابل للمساومة والابتزاز السياسي.
كذلك هناك التهديد المرتبط بالجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، التي لا تزال تمثّل أحد أبرز مصادر القلق لأمن الخليج والمنطقة، والتي رأينا كيف تستطيع هذه الجماعات نقل التوتر والفوضى من ساحة إلى أخرى، مثلما حصل في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها من الدول. وكيف انتقلت الصواريخ والطائرات المسيرة والتقنيات العسكرية إلى هذه الجماعات، لتستخدم في تهديد الموانئ والمنشآت الحيوية وقطاع الطاقة والاستقرار الداخلي. وبالتالي، فإن أي اتفاق جاد يجب أن يتضمّن التزاماً واضحاً بوقف نقل الصواريخ والطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية إليها، وإنهاء أشكال الدعم المالي واللوجستي والتدريبي التي تمكّنها من الاستمرار بوصفها أدوات للضغط وتهديد أمن المنطقة.
أما المطلب الرابع فيتعلق بمعالجة الأضرار التي لحقت بدول المجلس جراء الحرب الأخيرة، وهو حق تكفله مبادئ القانون الدولي، باعتباره امتداداً لحق الدول في المطالبة بجبر الأضرار التي تلحق بها نتيجة الأعمال غير المشروعة. فهذه الدول لم تكن طرفاً في الحرب ولم تؤيدها، ومع ذلك تعرضت لاستهداف إيراني ترتبت عليه أضرار أمنية واقتصادية، واضطراب في حركة التجارة والطاقة، وارتفاع في مستوى المخاطر على المنشآت الحيوية. فلا يمكن لأي تسوية أن تفتح صفحة جديدة من حسن الجوار وهي تتجاهل التكلفة التي تحملتها دول الخليج في أمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية. كما أن معالجة هذه الأضرار لا ينبغي أن ينظر إليها بوصفها عقبة أمام السلام، بل باعتبارها جزءاً من الاعتراف بالضرر، وترسيخ المسؤولية، وبناء الثقة، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً لعلاقات تقوم على حسن الجوار واحترام السيادة.
وأخيراً، فإن ما تريده دول الخليج من أي اتفاق مع إيران شيء بسيط وواضح، وهو بناء إطار أوسع للسلام وحسن الجوار، يقوم على احترام السيادة، ورفض التدخل، وصون أمن المنطقة وممراتها ومصالحها الحيوية، وأن يكون اتفاقاً حقيقياً يعالج جذور الأزمة ويفتح الباب أمام علاقة أكثر توازناً مبنية على المصالح المشتركة، والتعاون الاقتصادي والأمني، واستثمار الفرص التي تخدم شعوب المنطقة. وبالتالي، فإنَّ أمن الخليج يجب ألا يكون مسألة هامشية في أي تسوية، بل يكون أساساً من أسسها وضمانة لاستقرار المنطقة وانتقالها من إدارة الأزمات إلى صناعة السلام والازدهار.

