لم تعد قرية وستمنستر تتساءل متى يغادر كير ستارمر رئاسة الحكومة، بل كيف سيحكم خلفه أندي بيرنهام بريطانيا، المرجح أن يتولى رئاسة الوزراء قريباً. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ مع تشكيل الحكومة الجديدة؛ فهو أهم من أي خطاب سياسي قد يلقيه أمام الباب الشهير لرقم «10 داونينغ ستريت».
وقد شهدت بريطانيا خلال العقد الأخير ظاهرة باتت تتكرر بصورة لافتة، وهي بقاء رؤساء وزراء في مناصبهم بعد أن فقدوا عملياً سلطتهم السياسية داخل أحزابهم. وخلال هذه المرحلة الانتقالية تبدأ الأنظار داخل الحكومة نفسها بالتوجه نحو الإدارة المقبلة، في حين تضعف تدريجياً المسؤولية الوزارية الجماعية التي تُعد أحد أهم أعراف النظام البرلماني البريطاني. ولا تعود القضية مرتبطة بشخص رئيس الوزراء، بل بقدرة مؤسسات الدولة على إدارة انتقال السلطة من دون أن تفقد الحكومة تماسكها.
ولعل الخلافات التي ظهرت أخيراً بين بعض الوزراء حول سياسة الهجرة، وما رافقها من تسريبات وخلافات علنية، ليست سوى أحد مظاهر هذه المرحلة الانتقالية. فالاهتمام داخل الحكومة بدأ يتحول من الدفاع عن الحكومة الحالية إلى التفكير في الحكومة المقبلة، وهو أمر عرفته وستمنستر أكثر من مرة كلما اقتربت نهاية عهد رئيس وزراء. ولهذا السبب، فإن أول ما ستتجه إليه الأنظار لن يكون برنامج بيرنهام السياسي، بل أسماء الوزراء الذين سيختارهم، وفي مقدمتهم وزير المالية، ووزير الداخلية، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع.
ويكتسب منصب وزير المالية أهمية خاصة؛ لأن رئيس الوزراء ووزير المالية شكّلا تقليدياً الشراكة الأساسية في إدارة الدولة البريطانية. ومن هنا، فإن الإبقاء على راشيل ريفز سيُفسَّر باعتباره رسالة استمرارية، في حين سيعني اختيار شخصية أخرى أن رئيس الوزراء الجديد يريد أن يفتح صفحة اقتصادية مختلفة.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تحرص ريفز، في مقابلاتها الأخيرة، على الدفاع عن سجلها الاقتصادي، والتشديد على الانضباط المالي، وما تعتبره إنجازات وزارة المالية. وفُسرت هذه التصريحات في وستمنستر بأنها رسالة تدعو إلى استمرارها في المنصب.
وفي المقابل، بدأت التكهنات تدور حول أسماء أخرى، من بينها إد ميليباند، الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بالدفاع القوي عن سياسات التحول إلى الحياد الكربوني، حتى عندما أثارت هذه السياسات جدلاً واسعاً بسبب تأثيرها في أسعار الطاقة، ومستقبل صناعة النفط والغاز في بحر الشمال، وما ترتب على ذلك من انعكاسات سياسية في بعض الدوائر الانتخابية. وقد لا تصح هذه التكهنات، لكن مجرد تداول اسمه يوضح مدى حساسية الأسواق المالية لأي إشارة قد تُفهم على أنها تحول اقتصادي جديد. فقبل أن تُعرض أول موازنة على البرلمان، ستكون هوية وزير المالية أول رسالة اقتصادية تبعث بها الحكومة الجديدة.
أما وزارة الداخلية، فسيكون أمامها اختبار لا يقل صعوبة. فقضايا الهجرة غير الشرعية، وأمن الحدود، والجريمة، ما زالت تتصدر اهتمامات الناخب البريطاني، كما تفسر جانباً مهماً من استمرار تقدم حزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج في استطلاعات الرأي. ومن ثم، فإن اختيار وزير الداخلية سيكون مؤشراً مبكراً على كيفية تعامل الحكومة الجديدة مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة البريطانية.
وتضيف السياسة الخارجية بعداً آخر لهذا الامتحان. بيرنهام سيجد نفسه منذ أيامه الأولى أمام ملفات معقدة تشمل قمة «حلف شمال الأطلسي»، ومستقبل الإنفاق الدفاعي، والعلاقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى جانب علاقات بريطانيا مع أوروبا ودول الخليج. ولن يكون أمامه متسع من الوقت قبل أن يبرهن لحلفاء بريطانيا أن تغيير القيادة لن يعني بالضرورة تغييراً في التزامات لندن الدولية.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن بيرنهام يتمتع بشعبية شخصية أعلى من تلك التي كان يحظى بها ستارمر، غير أن ذلك لا يعني أن حزب العمال استعاد موقعه السياسي. فما زال حزب الإصلاح يتصدَّر بعض استطلاعات نيات التصويت، في حين بدأت زعيمة المحافظين كيمي بادنوك تستعيد جانباً مهماً من التأييد، حتى إن بعض الاستطلاعات يشير إلى تقدم المحافظين مجدداً على حزب العمال.
وهذا يعني أن تغيير القيادة وحده لا يكفي لاستعادة ثقة الناخبين، وأن الحكومة الجديدة ستواجه معارضة أكثر قوة وتنظيماً مما واجهه ستارمر عند وصوله إلى السلطة. فالتاريخ السياسي البريطاني يبين أن تغيير رئيس الوزراء لا يغير بالضرورة اتجاه الدولة. غير أن اختيار الوزراء الرئيسيين، وفي مقدمتهم وزير المالية ووزير الداخلية ووزير الخارجية، يمثل أول ترجمة عملية لاتجاه الحكومة الجديدة. ولهذا، فإن الأنظار في وستمنستر، كما في الأسواق المالية والعواصم الغربية، تتجه اليوم إلى أسماء الوزراء أكثر مما تتجه إلى الخطب أو الشعارات.

