هل انتهت الصحافة؟
هذا السؤال، الموغل بالجهل، يتردد كثيرًا، منذ الـ"Click" الأول في أخبار الإنترنت قبل 3 عقود. والأكثر فحشًا أن السؤال، بهذه السذاجة، يطرح في منصات يتسنمها إعلاميون وصحفيون محترفون!
يمكن أن نجد العذر لطلاب المدارس وعامة الناس وغير الصحفيين لـ"الدرعمة" بهذا السؤال السمج، لكن أن يردده صحفيون وإعلاميون يوصفون باللامعين والمهنيين، فتلك جائحة غير قابلة لـ"البلع"، إلا إذا كان هؤلاء اللامعين، "مقلب" غير مهنيين وغير صحفيين أصلاً، و"تحسب الشحم فيمن شحمه ورم" كما يقول المتنبي، يخلطون بين المهنة والوسيلة، خلطًا يتجشمه أصخب الدهماء.
الأمر لا يحتاج إلى دعك جباه مبرح، الصحافة بمثلها وعطائها ستستمر بمتطلباتها وقواعدها وقيمها المهنية لا تتغير ولا تتبدل، ما دام البشر يتنفسون في فجاج الأرض. والمتغير هي الوسائل وليست المهنة.
يمكن القول إن صحافة الورق قد انتهت، بينما انتقلت الصحافة، التي لم تمت ولم تتغير ولم تتبدل، إلى استعمال وسائل ووسائط أخرى، مثل الإنترنت.
المبادئ الصحفية تتمثل في الحرية المسؤولة والموضوعية وقواعد النشر المهنية، وتقديم المعلومات الصحيحة المؤكدة من مصادر موثوقة، مدققة، ملتزمة بالأخلاقيات المهنية والعدالة، ومحررة بلغة مبدعة وجذابة. هي نفسها المبادئ التي كانت تطبق في صحافة الورق، ويتطلب تطبيقها في الصحافة التي تستعمل الوسائط الإلكترونية، في أي زمان ومكان وتحت أي ظرف.
الوهم هنا أن المنظرين، الذين يزعمون أنهم أولو فهم في الصحافة وفنونها، يخلطون بين الوسيلة والمهنة. وهذا جهل وافتئات وعدوان مبين على الصحافة المهنية ومتطلباتها.
ولا تظنن أن الخلط، هنا، حدث سهوًا، بل لأن الوسيط الإلكتروني يسّر النشر وجعله مثل شرب الماء لكل من يصحو توالي الليل فيقرر أن يكون ناشرًا وصحفيًا لا يشق له غبار، بلا أدنى مسؤولية مهنية وبلا تعب ولا جهد ولا حتى ثقافة مهنية، فتقاطر طلاب المدارس والمتطفلون لتأسيس مدونات إلكترونية ومواقع سموها صحفًا، وطفقوا يكيلون للناس من هباب الخيال واجتهاداتهم التي يغلب عليها الكساح والضعف والركاكة، فحدثت فوضى عارمة، واختلط الحابل بالنابل، بتحريض من ذئاب البرمجيات ذات الياقات الزرق، فغابت الحكمة، حتى ظن ذوو النهى أن تلك المسوخ صحافة، فآمنوا أن الصحافة قد ابتلعها الوحش وماتت، وشيعها المولعون بعروض الافتراضيات إلى مثواها الأخير في أنفاق الإنترنت والتواءاتها وظلماتها.
وتر
لم تكن الأعين زجاجية، ولا الأيدي تجافي قبضة الثرى،
إذ الأفق البهي يمزج الضوء بذرى العوالي
إلى أن هبت رياح المواسم.
فغدت الأعين طيفًا أزرق، والأيدي آلات.
وهذا البهاء، تكوين افتراضي.

