: آخر تحديث

مطلقة

2
2
2

عدتُ إلى مدينتي التي هاجرتُ منها لأزور صديقي محمد. كنت أظن أنني تركتها خلفي يوم الرحيل، لكنني اكتشفت أنني حملتها معي وحافظت عليها، كما حملتُ وطني معها، أينما مضيت. ومحمد... رفيق العمر، أعرفه منذ نعومة أظفارنا، قبل أن تفرقنا دروب الهجرة. كم تمنيت هذا اللقاء، لنستعيد معًا أياما نشتاق إليها، اشتياقَ الصحاري إلى أولى قطرات المطر.

بعد استقبالٍ حار، جلسنا في صالة الدار التي أحفظُ تفاصيلها جيداً؛ ففي هذا المكان بالذات جلستُ يوماً مع عائلته، ولعبنا ومزحنا مع إخوته وأخواته. علمتُ أن أخواته في الدار، لكنهن لم يدخلن لإلقاء السلام. استوقفني الأمر لحظة، ثم تركته يمر، كما تمر أسئلة كثيرة لا تجد وقتها المناسب.. دقائق.. وأخذتنا رائحة القهوة بعيداً، إلى ذكريات المدارس، وساحات كرة القدم، وأخبار الأصدقاء.

رنَّ جرس البيت، وقطع استرسالنا طرقٌ خفيفٌ على باب الصالة، ثم دخل أخوه الأصغر، محمود. ورغم تحيته الحارة وكلماته الدافئة، كان من الواضح أنه يحمل هماً كبيراً؛ جلس أولاً، شرب قهوته سريعاً، ثم قعد على حافة الأريكة متأهباً. سأله أخوه: خيرك؟

- اجابه ابني متمسك بها؟ ورفع حاجبيه.

فأدركت سريعا أن ابنه يحب فتاة ويرغب بالزواج منها، لكنني لم أفهم أين تكمن المشكلة. ولم يطل انتظاري حتى قال:

-  أمها طالبت بالطلاق من أبيها.

لاحظ صديقي نظراتي، وقال موضحا لأخيه وأنا مدرك أنه يقول "إياك أعني واسمعي يا جارة"، لا لسبب إلا لكوني مغتربا في النرويج منذ ثلاثة عقود، فاسترسل صديقي قائلا لأخيه.

- من سيتزوج من أخواتها، وماذا سيقولون عن خالات ابنك؟ 

هز الأخ رأسه متحسرا ومتفقا مع ما قاله أخوه الأكبر. وجدت من الضرورة أن أسأل سؤالا، وحقا كان بريئا لكن من الواضح أنه لم يقنع صديقي ببراءته:

- ماهو سبب الانفصال؟. سؤالي اغضب صديقي لكنه كتم غيضه وأجابني من بين اسنانه.

- وهل هذا هو المهم؟ 

تسرعت وقلت – نعم مهم ومهم جدا.

وأجابني وكأنه يضع النقاط على الحروف.

-  نعم في مجتمعاتنا المطلقة مصيبة؟  مجتمعاتنا قاسية .. انت نسيت بسبب الغربة.

جوابه أغاضني لكني أجبت بهدوء.

- يا أخي فعلاً مجتمعاتنا قاسية، والمرأة لا تطلب الطلاق إلا للشديد القوي.. ولكن كيف نحاسب المرأة على قرارها بالنجاة، بينما يُعفى الرجل من مسؤولية أفعاله؟

همهم أخوه قائلاً بنبرة باردة:

الطلاق لا يضير الرجل! 

فقلت مذكراً:

 – يعني إذا تعايشت مع القهر قالوا "مستورة"، وإذا ثارت عليه حفاظاً على كرامتها قالوا "متمردة، قوية، وبلا حياء!". في مجتمع يراها لقمة سائغة ويعاملها كثير من الرجال بوقاحة، تقف المرأة حائرة لأنها تعلم أن لقب "مطلقة" يكفي في كثير من الأحيان لتبرئة الرجل من كل وقاحته. الرحمة حلوة.

اتسعت عيناي من الصدمة وأنا أسمع صديقي يعقب ببرود:

-  كلامك صحيح، لا تظن أنني أبرر الظلم، لكنك لا تعرف كم نخاف من كلام الناس.. هذا واقعنا. 

فجأة تذكرتُ قوانينا مكتوبة وأخرى غير مكتوبة تبيح للرجل "تأديب زوجته"، وتذكرتُ أن صديقي كان ينتمي لعائلة منفتحة، لكن كلمة (كان) بقيت تؤلمني؛ لأنها حولت صورة صديقي التي أعرفها إلى ذكرى قديمة. 

فقلت في نفسي إذا كان هذا حال صديقي المنفتح، فما الذي حدث في العوائل المتزمتة؟! فكرة لم تُفارق ذهني.

تمالكتُ نفسي وقلتُ في سري: "اهدأ". تنفستُ بعمق، وثبّتُ نظراتي في عيونهم مسترسلاً بنبرة هادئة ورصينة:

- يا جماعة! الغريب أن الرجال هنا يخافون على سمعة بناتهم من وصمة "مطلقة"، ويقلقون ألا يطرق أبوابهن أحد، وفي الوقت نفسه، لا يرفّ لهم جفنٌ على طفولتهن في بيت يطفح بالإهانة والخوف والعنف النفسي! يا أخي، لربما الزوج سادي، لربما مريض نفسي، أو لربما ارتكب أهله الجريمة الشائعة وزوّجوه "لكي يعقل".

تبادل الشقيقان نظرة خاطفة؛ ظننتُ للحظة أن كلماتي أصابت مكمناً في عقولهم، فاستغللتُ الصمت وتابعت:

-  أيهما أخطر؟ أن تكبر البنت وأمها مطلقة؟

أم أن تكبر وهي تتعلم أن التحكم والعنف ثمن طبيعي للحب والزواج؟

قال الأخ الأكبر لأخيه وكأنني غير موجود.

- حبيبي هذا جاي من النرويج، عقليته قد تغيرت، نسي قوانين العشائر! 

حقيقة، لم تزعجني كلماته، لكنها كانت مرة. 

فأجبته – لم تكن يوماً عشائرياً، فمتى ارتديت هذه العباءة؟ يا صديقي، تطلب المرأة الطلاق عندما يغدو الظلم أسلوب حياة، ومن الإجحاف أن نصفها بالفشل هي وبناتها. على العكس تماماً؛ هذه امرأة شجاعة رفضت أن تُورّث بناتها فكرة أن الصمت فضيلة أمام القهر. فكر بالأمر بطريقة أخرى.

شعرت أن الحديث بدأ يحتضر فأطلقت عليه طلقة الرحمة. 

- المشكلة، في المجتمع الذكوري تُدان المرأة لأنها أنهت المعاناة، ولا يُدان الرجل لأنه صنعها. 

هنا أبتسم صديقي وطالبني بفضول – عوفك من هذه القضية المعقدة.. وحدثنا عن النساء النرويجيات! 

نظرتُ إلى فنجان قهوتي البارد، وأدركتُ عبثية المحاولة. لم تنتهِ القضية هناك، بل بدأت قضيتي أنا؛ الرجل الذي قطع آلاف الأميال ليعود إلى وطنه، فوجد نفسه مغترباً في صالة صديقه المقرب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف