خالد بن حمد المالك
يكرِّر الرئيس ترمب كلامه المعسول بأن منطقتنا سوف تشهد أمناً واستقراراً لم تر مثله منذ 300 سنة، وأحياناً يقول 30 سنة، فهو دائماً في لقاءاته الإعلامية تكون الأرقام عنده متغيِّرة، كما هي معلوماته كلها، ومثل هذا الكلام يُفرحنا ويسرّنا متى كان يصب بضمان أملنا في تحقيق الأمن والسلام والاستقرار.
* *
غير أن الواقع شيء، وما يقوله الرئيس الأمريكي شيء آخر، وما نتمناه شيء ثالث والدليل ما تمر به المنطقة منذ قيام إسرائيل، وما تلاها منذ تسلّم الخميني السلطة في إيران، حيث لا تعطي الأحداث أي أمل في تحقيق ما يروِّج له ترمب، ويحاول أن يقنعنا بسلامة رأيه وتوقعاته.
* *
وفي تفاصيل ذلك، فإن إسرائيل لم تكتف بقيام الدولة اليهودية على جزء من الأراضي الفلسطينية، ولم تسع إلى بناء علاقات حسن جوار مع ما تبقى من أراض فلسطينية لقيام دولة فلسطينية عليها، وإنما تعاملت مع شعب فلسطين بالحديد والنار، لاقتلاعه من أرضه بحروب لا تتوقف.
* *
وما زلنا مع سياسة إسرائيل، فقد زرعت بؤراً استيطانية في الضفة الغربية، تمهيداً لتهويدها بإسكان اليهود المهاجرين فيها، وتخطِّط لتكرار التجربة نفسها في قطاع غزة بعد أن تم احتلال الجزء الأكبر منه، وما تقوم به من عمل للتضييق على سكان القطاع لاضطرارهم لإخلائه.
* *
ما يجعل السلام بعيد المدى في ظل هذه الأجواء، بعيد المنال، وخلافاً لما يقوله الرئيس ترمب، فإسرائيل تحتل أجزاء من الأراضي اللبنانية والسورية، بعضها قديم، وجزء منها تم بعد أحداث السابع من أكتوبر، وترفض تل أبيب الانسحاب منها.
* *
وإيران هي الأخرى زرعت وكلاء لها في لبنان والعراق وغزة واليمن، وأمدتهم بالسلاح والمال ليكونوا عضدها والمدافعين عنها، كما يحدث من حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، وحماس في قطاع غزة، وقبل ذلك في سوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد، وطرد الإيرانيين وعناصر من حزب الله من سوريا.
* *
هذا يعني أن إيران ووكلاءها، لن يسمحوا بأن يعم الاستقرار المنطقة، مهما كانت الضغوط، ومهما كان حجم التدمير لهذه الدول، وأعداد القتلى والمصابين فيها، لنوايا وأهداف إيرانية، تخالف توقعات الرئيس الأمريكي، وتكشف عن أن الأزمة القادمة ستكون أسوأ من السابقة والحالية.
* *
إذاً، فالمشكلة ليست في مضيق هرمز، ولا في النووي الإيراني فقط، ولا في تبسيطها بتصريحات مملة للرئيس الأمريكي، وإنما في سياسة إيران ووكلائها، وفي سياسة إسرائيل وحروبها، ثم من خلال التدخل الأمريكي الذي يُغذِّي الصراع، بانحيازه إلى جانب إسرائيل، ومساعدتها على كهربة الأجواء، ما يعني عدم وجود أمل للاستقرار في المنطقة ما بقيت إيران وإسرائيل وأمريكا تتعامل مع قضايا المنطقة على هذا النحو.
* *
باختصار: الحل لتثبيت الأمن والاستقرار بالمنطقة لن يتم سوى في منع إسرائيل من افتعال الحروب، وإجبارها على الانسحاب من الأراضي اللبنانية والسورية، واعترافها بالدولة الفلسطينية على أراضي 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، الحل في نزع الأسلحة من وكلاء إيران في العراق ولبنان واليمن وفلسطين، وتوقف طهران عن التدخل في شؤون الدول الأخرى، عندئذ يحل السلام، وتزدهر المنطقة، ويتم التطبيع مع إسرائيل باعتبارها دولة مجاورة للدولة الفلسطينية المعترف بها، أما تصريحات الرئيس الأمريكي فكلام مآله أن يطير في الهواء.

