حسين الراوي
حين يشتدُّ عليّ ثِقَلُ الروح، وتزدحم أفكاري بما لا يُحتمل، يتسلّل إلى قلبي اسم صلالة كطمأنينةٍ قديمة لا تخذلني.
منذ العام 2014، وأنا أسافر إلى صلالة، أشهد تطورها شيئاً فشيئاً، وأعرف كل زاوية فيها، حتى وصلت علاقتي بهذا المكان إلى ما هي عليه اليوم؛ علاقة عميقة، ليست مجرد حب لمكان، بل تعلق بالسكينة التي يمنحها للروح.
سافرت إلى ظفار في كل الشهور والمواسم، وعرفت تفاصيلها في جميع الفصول، لكنها لم تكن يوماً مجرّد أرض أزورها، بل ملاذاً أعود إليه لأعيد ترتيب فوضاي الداخلية، وكأنها تزيل عن روحي ما علق بها من إرهاق الحياة.
في السنوات الأخيرة، اعتدتُ حين أسافر إلى صلالة أن أقيم في ذات المنتجع؛ لأنني ألفته، وألفت كل ما يحيط به... حديقته الهادئة صباحاً، محلاته الصغيرة، مطاعمه، ونوافيره الجميلة. وكان لمقهى Lafta Cafe مكانة خاصة في قلبي، إذ كتبت فيه عدداً من مقالاتي، وجمعتني في محيطه جلسات مع أصدقاء كُثُر، لحظات ممتعة وعميقة الأثر، تترك في الروح ما لا تتركه الأماكن الفاخرة ولا الرحلات البعيدة.
لا يغريني في ظفار خريفها، ولا شلالاتها، ولا عيون مائها، ولا خضرتها ولا نسيمها؛ فقد أبصرت في بلدانٍ غربية وآسيوية جمالاً أخّاذاً يمتد على مدار العام، لا يرتبط بموسمٍ واحد.
لكن شيئاً واحداً لم أجده هناك كما وجدته في ظفار؛ ذلك الدفء الإنساني الذي لا يُشترى ولا يُوصَف.
سرّ ظفار ليس في أرضها، بل في قلوب من يسكنونها؛ أرواح الأصدقاء، المجبولة على الرجولة والمروءة، والمشبعة بمحبة صادقة لا تحتاج إلى تبرير أو شرح.
سافرت حول العالم، وسكنت في أوديسا 81 يوماً، وموناكو 25 يوماً، وتولوز 20 يوماً، وأندورا 10 أيام، وليختنشتاين 10 أيام، وبكين 9 أيام... وغيرها من المدن الرائعة. ورغم كل هذا السفر، ورغم ما رأته عيناي من جمال الطبيعة وروعة المدن، لم أشعر أبداً بإحساس الطمأنينة وراحة الفكر وراحة القلب كما أشعر بها في ظفار. هناك، كل شيء يلتئم داخل نفسي، وتصبح الروح خفيفة، واللحظات مليئة بالحب والدفء... شعور لا تمنحه أي أماكن أخرى مهما بلغت روعتها.
في صلالة، لا أبحث عن جمال المكان؛ بل أعود إلى نفسي، لأتلقى جرعة مزاج فاخرة، وأشعر أنني بين أناس يشبهون الطمأنينة، ويمنحون الروح ما عجزت عنه كل الأمكنة.
صلالة... المعنى الذي أبحث عنه، وملاذي الذي يعود بي دائماً إلى نفسي.

