من الطبيعي أن تتسابق الاتحادات الرياضية إلى تطوير الرياضات المرتبطة بها، وأن تبتكر فعاليات جديدة تجذب الجمهور وتستقطب الشباب، لكن ذلك كله يفترض أن ينطلق من تعزيز ثقافة رياضية سليمة، لا من إعادة تقديم سلوك أمضت الدولة والمجتمع عقودًا في محاربة آثاره.
الهجولة، أو التفحيط كما عرفها السعوديون طويلًا، لم تكن يومًا مجرد هواية بريئة، حيث ارتبطت بحوادث مروعة، وأرواح أزهقت، وإعاقات دائمة، وملاحقات أمنية، حتى أصبحت رمزًا لمرحلة استنزفت جهودًا كبيرة للحد منها، بالتشريعات والرقابة والتوعية.
اليوم، حين تتحول هذه الممارسة إلى فعالية رسمية تحت مظلة اتحاد رياضي، فإن السؤال لا يتعلق بالنوايا التي لا شك في صدقها، بل بالرسالة التي تصل إلى المجتمع.. فما الذي سيفهمه المراهق أو الشاب حين يرى التفحيط يقدم على منصة رسمية، ويصاحبه إعلان وتغطية إعلامية وجمهور وتصفيق؟ وهل سيفصل فعلًا بين ما يراه داخل الحلبة وما قد يحاول تقليده خارجها؟
القول إن الهدف هو احتواء الظاهرة لا يكفي وحده لتبرير الفكرة.. فليس كل سلوك سلبي يصبح مشروعًا بمجرد تنظيمه؛ فالتفحيط ليس من الرياضات الاستعراضية العالمية التي تقام في بيئات مغلقة وبمركبات وتجهيزات صُنعت لهذا الغرض، فثقافة التفحيط المحلية ارتبطت أصلًا بالسيارات الشخصية والطرق العامة والكثير من السلوكيات السلبية، ولذلك فإن الفصل الذهني بين المشهدين ليس بالسهولة التي يتصورها مسؤولو الاتحاد.
ولو سلمنا -جدلًا- بإمكانية تحويل التفحيط إلى رياضة استعراضية، فإن ذلك لا يتحقق بمجرد جمع أصحاب التجارب في حلبة مغلقة، بل يحتاج إلى بناء هوية رياضية جديدة، ومركبات وتجهيزات مخصصة، ولوائح فنية صارمة، وحد أدنى من اشتراطات السلامة التي تميز هذه الرياضة عن الممارسة العشوائية التي عرفها الناس لعقود، فكل لقطة «هجولة» قد تتحول لدى بعض الشباب إلى تحدٍّ جديد في شارع أو طريق سريع؛ خصوصًا أن السيارات المشاركة تبدو سيارات شخصية، وبعض اللقطات أظهرت احتياطات سلامة لا ترقى إلى مستوى ما يُتوقع من فعالية تحمل صفة رسمية.. وإذا صح ذلك، فإن الرسالة تصبح أكثر التباسًا، لأن الإشكالية تمتد إلى معايير السلامة نفسها.
لسنا ضد رياضات السيارات، بل على العكس، فقد نجحت المملكة في استضافة أكبر البطولات العالمية، من الفورمولا 1 إلى الراليات، وقدمت نموذجًا يُحتذى في التنظيم والاحتراف، لكن هذه النجاحات قامت على تطوير رياضات معترف بها عالميًا، لا على إعادة إنتاج ظاهرة اجتماعية دفعت البلاد ثمنها سنوات طويلة.. وهناك فرق كبير بين احتواء الظواهر، وبين تطبيعها.

