سهوب بغدادي
في يومنا العادي المليء بالشاشات والمزدحم بالمحتويات والتحديات والضغوطات نجد أن البعض يشعر بالتوتر والقلق والاحتراق، فتنام لساعات طويلة إلا أنك لا تشعر بتحسن، أو تلجأ إلى صديق للفضفضة ولا يجدي ذلك نفعًا، ثم تذهب في رحلة تشتت عقلك عما فيه لتجد أنك عدت كما كنت ولما كنت عليه، فتأكل وجبة مفضلة أو ما يسمى «وجبة مطمئنة» comfort food فتشعر بالذنب بعدها، ثم تنفق مبلغًا لا بأس به على منتج لا فائدة منه، وتستمر في تصفح هاتفك بحثًا عما يغير فيك شيئًا، كل ما تعرفه أنك متعب بلا طاقة للكلام أو التواصل الفعلي أو العمل، أنا لا أقصد الحالة النفسية الإكلينيكية التي تدفع الشخص إلى الانعزال أو فقدان الشغف ومعنى الحياة، كالاكتئاب والقلق المشخص -لا قدر الله- بل أعني الحالة العامة التي تصيب الصغير والكبير على مستوى إنساني عالميًا، لذا وقعت عيني على تصنيف مميز للراحة على شكل عجلة تقسم الراحة إلى عدة أقسام وأمثلة عليها، فكل ما عليك أن تعرف أين تقع راحتك واحتياجك، مثال على ذلك، إن كنت بحاجة إلى الراحة الجسدية، فيمكنك أن تقوم بالعناية الشخصية، كالتدليك أو الاستحمام بماء دافئ، ثم القيام بنشاط بدني كتمارين الاستطالة، والنوم لساعات كافية، وإن كنت بحاجة إلى الراحة العقلية فتستطيع ممارسة التأمل أو كتابة اليوميات أو التنفس العميق أو قضاء وقت في الطبيعة، وهناك احتياج آخر كالراحة العاطفية التي تتلخص في إزالة الفوضى من حياتك كتنظيف الغرفة والمنزل أو التبرع بأشياء تحمل ذكريات مؤلمة، والتسامح مع الغير والذات، والحديث مع شخص مقرب، فيما تأتي الراحة الاجتماعية في تأطير ومعرفة التفاعلات الاجتماعية التي تتعرض لها باستمرار ومعرفة المحادثات الهادفة وما دونها، وقضاء الوقت مع الأهل و الأصدقاء، كذلك، هناك الراحة الفكرية التي يحتاج فيها الشخص للقراءة من كتب وقرآن، أو لعب الألعاب الذهنية كالسودوكو والشطرنج، أو التعرض لما يغذي العقل ويستحثه ومنها الاستماع إلى البودكاست أو حل الألغاز والأحاجي، أو العزف على الآلات الموسيقية، أو الرسم والحرف الفنية والحياكة والطبخ.
كما نحتاج جميعنا إلى الراحة الروحية كالصلاة عندما نادى لها أفضل الخلق قائلًا: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ»، بالإضافة إلى التأمل أو التفكر في عظم خلق الله والنعم الظاهرة والباطنة، والانخراط في خدمة المجتمع والتطوع، أخيرًا، تحل الراحة الحسية، بأن تأخذ لحظة صمت فعلية بعيدًا عن الشاشات والمحفزات والإشعارات والمثيرات الحسية إما لفترة وجيزة كساعة في اليوم أو لأيام بحسب الاحتياج، فكل ما عليك فعله أن تحدد أي نوع من الراحة ينقصك، وفي حال لم تعرف كيف تحدد، فاختر الشيء الذي تشعر أنه شد أو لفت انتباهك عندما قرأته، وجربه وإن لم ينجح فانتقل إلى قائمة أخرى أو موضع آخر من الراحة، وهكذا حتى تجد ضالتك وراحتك، وقد يحتاج الشخص إلى راحة مركبة كجسدية وعقلية، أنت فقط من يحدد ويتخذ الإجراء الملائم.
«إذا تعبت تعلّم أن ترتاح لا أن تستسلم» -نيتشه

