: آخر تحديث

شقة المرسم "الحكاية 19"

3
3
3

شكلت الأغنية السعودية خلال العقود الماضية أحد أبرز تجليات المشهد الثقافي في المملكة، إذ تجاوزت كونها لوناً غنائياً محلياً لتصبح رافداً مهماً في بناء هوية فنية امتد أثرها إلى المشهد العربي، وبين عامي «1975» و»1995»، بلغت هذه التجربة ذروة حضورها، حيث خرجت الأغنية من إطارها المحلي إلى فضاء عربي أرحب، حاملةً ملامح الصحراء، ودفء المدن، وروح الإنسان السعودي في تحولاته الاجتماعية والثقافية.

في تلك المرحلة برز نجومٌ صنعوا وجدان الناس، يتقدمهم طلال مداح ومحمد عبده، وأسماء لامعة مثل: عبادي الجوهر، وعبدالمجيد عبدالله، وعلي عبدالكريم، ثم تلاهم رابح صقر، وخالد عبدالرحمن، وراشد الماجد، ولم يكن هؤلاء مجرد أصوات غنائية، بل كانوا صناع مرحلة، ومهندسي ذائقة، وحراساً لذاكرة فنية ما زالت حاضرة حتى اليوم.

واتسمت الأغنية السعودية آنذاك بالبساطة الصادقة، إذ خرجت الكلمة من عمق التجربة، واستند اللحن إلى المقامات المحلية والخليجية الأصيلة، مع لمسات عربية منحتها امتداداً أوسع. وكانت الأغاني تُبنى على الشعر، وتتناول موضوعات الحب والحنين والفراق والهوية، ولم تكن تقنيات الإنتاج قد بلغت ما هي عليه اليوم، لكن العنصر الأهم كان الإحساس.

ولذلك لم تكن أغنيات مثل: «مقادير»، و»أبعاد»، مجرد أعمال فنية، بل تحولت إلى جزء من الذاكرة المجتمعية، التي تردد في البيوت والمجالس، وتبث عبر الإذاعات، لتصنع حالة وجدانية مشتركة.

حيث شكل التنافس بين طلال مداح ومحمد عبده إحدى أبرز الظواهر الفنية في تلك الفترة، لكنه لم يكن تنافساً صدامياً بقدر ما كان سباقاً إلى قلوب المستمعين، يأتي طلال بصوته الدافئ وحضوره النجومي، كان أقرب إلى الوجدان الجمهور، يلامس العاطفة برهافة، فيما يقدم محمد عبده نموذج الفنان الشامل، بما امتلكه من قوة أداء وتمكن موسيقي.

في مدينة الرياض تحديداً أخذ هذا التنافس طابعاً جماهيرياً لافتاً حتى بدى أشبه بصراع رياضي، يمكن تشبيهه بما بين «الهلال والنصر»، لكل فنان معسكره وجمهوره الذي يتعصّب له، حتى وصلت الفكرة أن بعض عشّاق طلال لا يستسيغون محمد عبده والعكس صحيح، إلا أن خارج هذه الدائرة من مدن ومناطق أخرى، كان المستمع أكثر تصالحاً يحتفي بالفنانين قاطبة، ويأخذ من كل صوت ما يثري وجدانه.

التنافس الغنائي بين طلال مداح ومحمد عبده، هذا الشأن وجد صداه صحافياً من خلال أحد مرتادي «شقة المرسم»، الزميل عبدالرحمن بحير، والذي كان ميالاً لطلال، إلا أن مهنيته وحسه الإعلامي دفعاه إلى تقديم هذا التنافس في إطار من الإثارة والتشويق، جعل الصفحة الفنية في جريدة الجزيرة محل متابعة واهتمام القراء.

أيضًا داخل شقة المرسم، برز محمد العثيم -رحمه الله- كاتباً يحمل حساً شاعرياً مرهفاً، يلتقط نبض الشارع ويحوله إلى كلمات تغنى، واتجه شعره نحو الفنانين الشعبيين، منهم: حمد الطيار، وسلامه العبدالله، ومحمد عبدالعزيز، قبل أن يغني له لاحقاً خالد عبدالرحمن.

ولم يقتصر حضور العثيم على الأغنية، بل كان أيضاً كاتباً مسرحياً يقرأ الحياة كأنها نص مفتوح، خلال فترة وجوده في شقة المرسم، قدم عدداً من المسرحيات التي تجاوز حضورها المستوى المحلي إلى الخليجي ثم العربي، من بينها «البطيخ الأزرق»، و»قبة رشيد» وغيرها من الأعمال التي أسهمت في تشكيل هوية جديدة لمسرح النخبة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد