في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط أكثر مراحله اضطراباً منذ عقود، مع استمرار الحروب، وتصاعد أدوار التنظيمات المسلحة، وتراجع سلطة الدولة في عدد من الساحات العربية، تبرز الدولة الوطنية باعتبارها الركيزة الأساسية للاستقرار، إذ أثبتت تطورات العقد الأخير أن انهيار مؤسسات الدولة لا يفتح الطريق أمام الديموقراطية أو التنمية، بقدر ما يفتح المجال أمام الفوضى، وتعدد مراكز القوة، وتنامي نفوذ التنظيمات العابرة للحدود.وفي هذا السياق، تكتسب ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران 2013 أهمية تتجاوز حدود التجربة المصرية، لأنها تمثل محطة مفصلية في معركة الحفاظ على الدولة الوطنية في لحظة كانت المنطقة تشهد فيها صعوداً غير مسبوق للمشروعات الأيديولوجية، والتنظيمات التي سعت إلى إعادة تشكيل الدول وفق اعتبارات تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها.تبدو الصورة اليوم أكثر وضوحاً، فلم يكن جوهر الصراع مجرد انتقال للسلطة أو تنافس بين قوى سياسية، بل كان صراعاً حول طبيعة الدولة نفسها: هل تظل دولة وطنية تحتكم إلى مؤسساتها ودستورها، أم تتحول إلى ساحة تخضع لولاءات تنظيمية وأيديولوجية عابرة للحدود؟ إذ كشفت الخبرة الإقليمية أن الخطر الأكبر لم يكن تغيير الحكومات، وإنما تآكل مؤسسات الدولة لصالح تنظيمات عقائدية أو ميليشيات مسلحة أو شبكات ولاء موازية.وفي كل دولة تراجع فيها حضور المؤسسة الوطنية، اتسعت دوائر الفوضى، وتحولت الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية هددت وحدة الدولة وسلامة أراضيها.وتبرز خصوصية الحالة المصرية في كونها من أقدم الدول المركزية في التاريخ، بحيث ارتبطت الهوية الوطنية عبر قرون طويلة بفكرة الدولة ومؤسساتها ووحدة الإقليم، وهو ما جعل أي محاولة لتقديم الولاء التنظيمي على الانتماء الوطني تصطدم بتراث سياسي ومجتمعي عميق الجذور. ومن هنا، اكتسبت المؤسسات الوطنية، وفي مقدمها القوات المسلحة، دوراً محورياً في حماية الدولة، فالجيوش الوطنية ليست مجرد أدوات للدفاع الخارجي، بل تمثل الضامن الأخير لوحدة الدولة واستمرارية مؤسساتها، وهو ما أكدته التجارب العربية التي ارتبط فيها انهيار الدول بتفكك جيوشها أو ظهور تشكيلات مسلحة تنازعها احتكار القوة.
ذكرى 30 يونيو: عندما انتصرت الدولة على التنظيم!
مواضيع ذات صلة

