: آخر تحديث

إعادة تعريف التقدم في عصر الذكاء الاصطناعي

3
3
3

عبد الله سليمان الطليان

في مقال مهم نشرته صحيفة «دي تسايت» الألمانية، يدعو الصحفي جورج ديتس إلى إعادة التفكير في معنى «التقدّم» في زمن الذكاء الاصطناعي. ويرى أن مستقبل البشرية لا ينبغي أن يحدده أصحاب شركات التقنية وحدهم، بل يجب أن يشارك في رسمه المجتمع كله.

يؤكد ديتس أن التقدّم الحقيقي لا يعني مجرد تطوير تقنيات جديدة، بل يجب أن يكون مرتبطًا بالقيم الإنسانية. ولذلك يطرح سؤالين مهمين:

* ما نوع التكنولوجيا التي نريدها؟

* وكيف نستخدمها لخدمة الإنسان والمجتمع؟

ويرى أن الإجابة عن هذين السؤالين يجب أن تأتي من خلال تعاون السياسيين والاقتصاديين والعلماء والمجتمع المدني، وليس من شركات التكنولوجيا وحدها.

- هل أصبحت التكنولوجيا هي من يحدد مستقبلنا؟

في الوقت الذي تتزايد فيه قوة شركات التكنولوجيا، وصلت قيمة شركة «SpaceX» إلى أكثر من تريليوني دولار، مما يمنح مؤسسها إيلون ماسك نفوذًا هائلًا للتأثير في شكل المستقبل، سواء من خلال مشاريع استعمار المريخ أو غيرها من الأفكار الطموحة.

لكن السؤال هو: هل ينبغي أن يحدد عدد قليل من أصحاب المليارات شكل المستقبل الذي سيعيش فيه جميع البشر؟

يرى ديتس أن الإجابة هي: لا.

- رؤيتان متطرفتان للمستقبل

يقول ديتس إن العالم يعيش بين رؤيتين متناقضتين:

* الأولى متشائمة، ترى أن المستقبل سيكون أسوأ من الحاضر.

* والثانية متفائلة بشكل مبالغ فيه، خاصة في وادي السيليكون، حيث يَعِد أنصار الذكاء الاصطناعي بازدهار اقتصادي غير مسبوق، وأن الذكاء الاصطناعي سيحل جميع المشكلات.

ويرى أن هذين الموقفين يمنعان إجراء نقاش هادئ ومتوازن حول مستقبل التكنولوجيا.

- ماذا نتعلم من الثورة الصناعية؟

يعود ديتس إلى القرن التاسع عشر عندما بدأت الثورة الصناعية. فقد أدت الآلات الجديدة إلى زيادة الإنتاج، لكنها في الوقت نفسه سببت فقرًا شديدًا للعمال، بينما ازدادت ثروات أصحاب المصانع.

ومن هذه الظروف ظهرت الحركات العمالية والنقابات، التي لم تحارب التكنولوجيا نفسها، بل طالبت بأن يستفيد العمال أيضًا من ثمارها، وأن تتحسن ظروف العمل والأجور.

وهذا هو الدرس المهم اليوم: المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في طريقة استخدامها وتوزيع فوائدها.

- تجربة نقابة الطباعة

يشير الكاتب إلى تجربة «الاتحاد الدولي للطباعة (ITU)» في الولايات المتحدة عندما ظهرت آلة «Linotype» عام 1886.

فبدلًا من تدمير الآلة أو رفضها، قررت النقابة تعلم استخدامها، مع المطالبة بتحسين الأجور وتقليل ساعات العمل وتحسين بيئة العمل.

وبفضل هذا الموقف استطاعت النقابة أن تحافظ على مكانتها لسنوات طويلة.

- الذكاء الاصطناعي والثروة

يتوقع كثير من الخبراء أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى انتقال جزء كبير من الثروة من العاملين إلى أصحاب رؤوس الأموال والشركات المالكة للتقنيات.

ولهذا يقترح بعض الاقتصاديين زيادة الضرائب على أرباح الشركات الكبرى، واستخدامها في تمويل الخدمات العامة والبرامج الاجتماعية، حتى يستفيد المجتمع كله من مكاسب الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل يرى آخرون أن الحل ليس مجرد توزيع الأموال، لأن العمل يمنح الإنسان الكرامة والشعور بقيمته، وليس مجرد مصدر للدخل.

- الإنسان أولًا

يرى ديتس أن أي تصور جديد للتقدم يجب أن يضع الإنسان في المركز، وأن يسأل:

* ما الحياة التي نريد أن نعيشها؟

* كيف نجعل التكنولوجيا تخدم الإنسان؟

* كيف نحافظ على العدالة والكرامة والعمل؟

ولهذا يؤكد الكاتب أهمية العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى جانب علوم الحاسب والهندسة، لأن التكنولوجيا وحدها لا تستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة.

- من يحدد معنى التقدّم؟

اليوم أصبحت صورة المستقبل تُرسم في كثير من الأحيان بواسطة عدد محدود من قادة شركات التكنولوجيا، الذين يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي العام، والذكاء الاصطناعي الفائق، ونهاية العمل، واستعمار المريخ.

لكن الكاتب يرى أن مستقبل البشرية أكبر من أن يُترك لعدد قليل من رجال الأعمال أو المبرمجين.

بل يجب أن يشارك الجميع في هذا الحوار: العمال، والطلاب، والجامعات، والمفكرون، والمبدعون، والحكومات، والمجتمع المدني.

-كيف نقيس التقدّم الحقيقي؟

لا ينبغي أن نقيس التقدم بعدد الشركات العملاقة أو سرعة تطور التقنيات، بل بمدى تحسين حياة الناس.

ومن أهم معايير التقدم الحقيقي:

* توفير فرص عمل كريمة.

* تحقيق العدالة في توزيع الثروة.

* إتاحة التعليم الجيد للجميع.

* دعم العلم والفنون والإبداع.

* تعزيز العدالة والمساواة.

* بناء مجتمع متماسك يشعر جميع أفراده بالأمان والكرامة.

أخيراً يقول: إن الذكاء الاصطناعي فرصة عظيمة، لكنه ليس هدفًا في حد ذاته. فالتكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان، لا أن يصبح الإنسان تابعًا لها.

إن مستقبل البشرية لا ينبغي أن تحدده شركات التكنولوجيا وحدها، بل يجب أن يُبنى من خلال حوار مجتمعي واسع يشارك فيه الجميع.

فالتقدّم الحقيقي هو الذي يجعل حياة الناس أفضل، ويحقق العدالة، ويحفظ الكرامة الإنسانية، ويضمن أن يستفيد الجميع من ثمار العلم والتكنولوجيا، لا فئة قليلة فقط.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد