: آخر تحديث

واشنطن في مقصلة الشرق الساحر

3
3
3

في عالم السياسة، من الخطأ الاستراتيجي أن تفترض القوى العظمى أن حلفاءها سيبقون رهن معادلات الأمس دون مراجعة، وهذا تماماً هو المأزق الذي واجهته إدارة دونالد ترامب في الشرق الأوسط حين اعتمدت على مقاربات متقلبة، وانحياز كامل للمصالح الإسرائيلية على حساب أمن واستقرار شركائها التاريخيين. 

وبناءً على هذا التباعد، نرى أن ما سعى ترامب لفرضه كآلية لإخضاع المنطقة إلى معادلات أحادية، بات يدفع العواصم الإقليمية نحو إعادة النظر في استراتيجياتها وصياغة خياراتها المستقبلية بمرونة أعلى، لينتهي المشهد ببيئة إقليمية ترتكز على التنسيق المشترك والتفاوض المتوازن لتعزيز استقرارها الذاتي، واضعةً واشنطن أمام استحقاقات وعودها غير المكتملة وتحديات أزماتها الداخلية المتنامية.

الأحادية الأمنية ومأزق الحماية التقليدية

بدت ملامح هذا التحول واضحة في اللحظة التي كانت تعكف فيها العواصم الإقليمية، وفي مقدمتها الرياض، على تفعيل مسارات دبلوماسية مكثفة تهدف إلى تصفير الأزمات البينية وتهدئة بؤر التوتر، بغية التفرغ لنموذج تنموي واقتصادي صاعد يضع جودة الحياة والاستقرار في صدارة أولوياته. في هذه الأثناء، اتجهت إدارة ترامب نحو اتخاذ قرارات أحادية الجانب قادت إلى تصعيد عسكري مباشر مع طهران، متزامنة مع منح غطاء سياسي وعسكري مطلق للتحركات الإسرائيلية في المنطقة، دون أي تنسيق مسبق مع الشركاء التاريخيين لواشنطن.

ولم يكن هذا السلوك مجرد سوء تقدير في إدارة الأزمات، إنما بدا في العمق محاولة لفرملة الاستقلال التنموي والتقني المستجد في المنطقة، وإبقاء الفضاء الإقليمي خاضعاً لمعادلة "الوصاية الأمنية" الأمريكية. غير أن هذه الصيغة التقليدية التي حاولت واشنطن فرضها اصطدمت بقصور مقاربتها الأمنية، وتحديداً إبان تعرض المنشآت الحيوية في المنطقة لهجمات بالمسيرات؛ حيث أظهرت تلك الأحداث عجز المظلة الأمريكية عن مجاراة مهددات العصر الصاعدة، مما دفع عواصم المنطقة وفي مقدمتها الرياض إلى ممارسة دور سيادي حازم في إدارة الأزمة والدفاع عن مصالحها، مرسخةً القناعة بأن المراهنة على الضمانات الخارجية لم تعد تلبي متطلبات الأمن القومي. 

وبناءً على ذلك، سارعت القوى الإقليمية لتوظيف ثقلها الدبلوماسي والعسكري لبناء شبكات تقاطع مصالح نابعة من الداخل لحماية فضاءاتها التنموية، بالتزامن مع تآكل الوعود السياسية للإدارة الأمريكية في بيئتها الداخلية.

تبخر الوعود والانحياز العابر للإدارات

هذا التحول الإقليمي نحو الاعتماد على الذات تزامن مع انكسار سريع للأطروحات الترامبية في الداخل الأمريكي، إذ تحولت الوعود الصارمة بالقضاء على الهرم القيادي في طهران وتفكيك ملفها النووي إلى صيغ هشة تفتقر للأدوات التنفيذية. وبدلاً من تحييد المهددات، تسبب التصعيد في اندلاع أزمة طاقة دولية شملت إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط إلى معدلات قياسية، مما جعل الداخل الأمريكي أول المتأثرين سلباً بتبعات هذه المقاربة غير المحسوبة.

وفي المقابل، وبينما كانت واشنطن تعجز عن تقديم ضمانات حقيقية لحلفائها، كان التمدد الإسرائيلي يتسارع عبر توظيف الاتفاقيات الابراهيمية لتعزيز الحضور الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مترافقاً مع تجاوز القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية في الأراضي المحتلة بحصانة أمريكية كاملة.

هذا المشهد المتباين كشف لعواصم المنطقة أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يمثل نزوة شخصية لترامب يمكن أن تنتهي برحيله، إنما هو التزام بنيوي ومؤسسي عابر للإدارات والخطوط الحزبية في واشنطن، يتقدم دوماً على أي تحالفات خارجية، مما أنهى جدوى المراهنة على تبدل الوجوه في البيت الأبيض.

تآكل الموثوقية الاستراتيجية والمزاجية الحزبية

أفضت هذه المقاربات إلى تجريد الخطاب السياسي الأمريكي من سمة "التنبؤ بالسياسات" والموثوقية المؤسساتية التي تميز سلوك الدول العظمى، حيث حلت الشعبوية والمقايضات الآنية محل العقيدة الدبلوماسية الراسخة لواشنطن. هذا التحول لم ينعكس سلباً على القوة الناعمة والتأثير الأخلاقي للولايات المتحدة فحسب، بل أحدث فجوة ثقة عميقة لدى الشركاء؛ إذ أثبتت التجربة العمليّة أن الالتزامات الأمريكية باتت رهينة للتقلبات الانتخابية والمزاجية الحزبية في البيت الأبيض، ومادة للسجال الحاد داخل الكونغرس الأمريكي بشقيه الديمقراطي والجمهوري الذي بات يرى في هذه الاندفاعات استنزافاً لمقدرات الدولة بلا أفق استراتيجي واضح. 

وبناءً على هذا الانكشاف المؤسساتي، غادرت قوى المنطقة مربع المراهنة على الضمانات الأحادية، واتجهت نحو هندسة خيارات بديلة تقوم على "التحوط الاستراتيجي" المتوازن وبناء تقاطعات مصالح مرنة مع أقطاب دولية صاعدة، لضمان استقرارها التنموي بمعزل عن أزمات صناعة القرار في واشنطن.

المكاسب العكسية وإعادة التوازن الجيوسياسي

أفرزت هذه التحولات نتائج استراتيجية عكسية تماماً لما خططت له إدارة ترامب؛ فرغم بيئة الصراع المعقدة، تمكنت دول الخليج من تحويل التحديات إلى مكتسبات جيوسياسية نوعية عبر التمسك بمنطق الحكمة والتعقل الدبلوماسي، مما رسخ حضورها دولياً كقوى استقرار إقليمي تضع السلام والتنمية المستدامة كخيار استراتيجي لا رجعة عنه، مدفوعة بحماية مصالحها الوطنية الكبرى وليس بمجرد النوايا المثالية. وتزامن هذا النضج السياسي مع تآكل حاد وشديد في السمعة الإسرائيلية أمام الرأي العام الغربي، الذي بات يضيق ذرعاً بسياسات التصعيد الفوضوي.

وتتجلى المفارقة الكبرى اليوم في مسارات التفاوض والقنوات الخلفية، حيث تفيد القراءات السياسية ومذكرات التفاهم الناشئة بأن المقاربة العسكرية المتشددة التي تبنتها إدارة ترامب أفضت في النهاية إلى الاضطرار لتقديم تنازلات دبلوماسية وتسهيلات اقتصادية متبادلة مع طهران عبر آليات تمويل دولية وخاصة، بهدف احتواء التصعيد وتأمين ممرات الطاقة. هذا التراجع العملي عن خيار الحسم العسكري أثبت لعواصم المنطقة أن مقاربة "الضغط الأقصى" قد أخلت مكانها للتفاهمات البراغماتية، مما سرّع بدوره التوجه الإقليمي الحاسم لنحت معادلات أمنية بديلة تنبع من واقع المنطقة واحتياجاتها التنموية.

صعود التعددية وملامح النظام الإقليمي الجديد

تأسيسًا على هذه المعطيات، وفي الوقت الذي تحاول فيه إدارة ترامب العودة إلى أسلوب المقايضات وإبرام التفاهمات الثنائية، فإنها تصطدم بجغرافيا سياسية تجاوزت صيغ الإملاءات الفردية، بعد أن نجحت المنطقة في تنويع شراكاتها الدولية؛ حيث برز الدور الصيني كعامل توازن اقتصادي وضامن سياسي موثوق، وتعمق التنسيق الاستراتيجي مع روسيا عبر منظومة "أوبك بلس" لضبط أسواق الطاقة العالمية بمعزل عن الرغبات الأمريكية.

هذا الحضور الدولي المتوازن وفر أرضية صلبة للقوى الإقليمية الوازنة (السعودية، تركيا، قطر، مصر، وباكستان) لبلورة رؤية استراتيجية موازية تكبح جماح الاندفاع الإسرائيلي، وتؤسس لعقد سياسي وأمني واقتصادي تدريجي يسعى لدمج قوى المنطقة في منظومة أمن جماعي مستدامة نابعة من الداخل.

 بيد أن هذا التحول البنيوي لن يكتب له النجاح والاستمرارية دون توحيد حقيقي للمواقف والرؤى والتصورات المشتركة، وتحقيق تكامل أمني ودفاعي واقتصادي ملموس، يقترن حتماً بالتزام طهران بتعهدات حقيقية وصارمة تضمن احترام حسن الجوار، ودرء مهددات الاستقرار، والتوقف التام عن دعم الأذرع العسكرية والميليشيات في اليمن ولبنان والعراق. 

هذا التحول يتطلب من طهران تغييراً جذرياً في رؤيتها الاستراتيجية، بالخروج من عباءة الأيديولوجيا الثورية إلى مربع التكنوقراطية التنموية؛ إذ تمتلك إيران المقومات لتشكيل نموذج اقتصادي واعد ينصهر مع محيطه الإقليمي حال تفرغها لطموحاتها التنموية المشتركة. وبناءً على ذلك، يصبح لزاماً صياغة استراتيجية واضحة المعالم، قائمة على تعهدات ملزمة ومواثيق إلزامية تضمن جدية الأطراف كافة وتسمو فوق التباينات المرحلية، لتحويل الضغوط الخارجية إلى قوة دفع ذاتية قادرة على قيادة دفة الاستقرار وبناء السلام المستدام في شرق أوسط جديد يمتلك زمام مبادرته بنفسه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.