: آخر تحديث

من يحكم الشرق الأوسط اليوم... الاقتصاد أم الشو الإعلامي؟

2
3
3

 

من أكثر الأخطاء داخل المنطقة العربية انتشارًا الاعتقاد أن قوة الدول تُقاس بما يُكتب عنها، أو بعدد الوسوم والهاشتاقات التي تتصدر المنصات، أو بحجم الجدل الذي تصنعه حسابات التواصل. هذه طريقة مريحة لفهم العالم، لكنها طريقة مضللة. منصات التواصل لا تنتج القوة، وإنما تضخم الانطباعات حولها.

أدرك العقلاء، وهم قلة في سوق الأوهام الرقمية، أن قوة الدول لا تُصنع في شاشة هاتف، ولا تُقاس بعدد المقاطع المتداولة، ولا بجيوش الحسابات التي تردد الرواية نفسها كل صباح. فلو كان النفوذ يُبنى بالمنصات، لكانت الحسابات الأكثر انتشارًا تقود الاقتصادات، ولصارت الدول الأعلى حضورًا في الفضاء الرقمي هي الأكثر تأثيرًا في ميزان التاريخ. غير أن الواقع لا يعترف بالانطباعات، وإنما يعترف بالإنتاج، والمؤسسات، والاقتصاد، والمعرفة، والقدرة على تحويل القوة إلى أثر ملموس.

الشرق الأوسط اليوم دخل مرحلة تتحدد فيها المكانة بقدرة الاقتصاد على النمو، وبقدرة المؤسسات على العمل، وباستقرار البيئة التشريعية، وبجذب الاستثمار، وبإنتاج المعرفة والتقنية، وبالقدرة على تحويل الموارد إلى قيمة مضافة. هذه المؤشرات لا تتغير لأن وسمًا تصدر ساعات، ولا لأن حملة إلكترونية حققت ملايين المشاهدات، وللأسف هناك من يراهن على ذلك والحقيقة هي أشبه بإدراك الشهوة التي لا تستمر إلا لحظات.

ومع ذلك، ما زالت هناك مدرسة قديمة تتعامل مع السياسة كما لو أنها معركة منشورات. تظن أن تكرار الرسالة يمنحها الشرعية، وأن كثافة الحضور الرقمي تعني اتساع النفوذ، وأن إدارة الرأي العام أهم من إدارة الواقع. هذه المدرسة تقرأ العالم بأدوات صنعت لزمن انقضى، ولم يعد يؤمن به إلا الأغبياء الذين يجدون في ذلك راحة تغنيهم عن التفكير والتدبر لما يدور حولهم.

في القرن الماضي، كان التحكم في وسائل الإعلام يمنح قدرة واسعة على تشكيل التصورات، لأن مصادر المعرفة كانت محدودة ومحكومة، والجمهور ينتظر الخبر من نافذة واحدة. أما اليوم، فإن الرواية تدخل منافسة مفتوحة مع آلاف الروايات، وتخضع في كل لحظة لاختبار الوقائع، والصور، والبيانات، والأسواق، وحركة الاستثمار، وثقة المستثمرين، وأداء المؤسسات.

لهذا السبب، أصبح الفارق كبيرًا بين من يبني واقعًا يحتاج إلى رواية تشرحه، ومن يبني رواية تبحث عن واقع يؤيدها. المشكلة أن العقل الجماهيري بالمنطقة العربية ينجذب إلى ما يسمى الشو أكثر من الإنجاز. يخلط بين الانتشار والتأثير، وبين كثرة الحديث وكثرة الفعل، وبين الظهور والقوة. وهنا تنشأ أوهام سياسية وإعلامية تدفع البعض إلى الاعتقاد أن الدولة التي تشغل المنصات هي الدولة التي تقود المنطقة، بينما التاريخ السياسي والاقتصادي يقدم عشرات الأمثلة على دول امتلكت حضورًا إعلاميًا واسعًا في الوقت الذي كانت فيه تخسر اقتصادها، أو نفوذها، أو قدرتها على التأثير الحقيقي.

الرواية الإعلامية تؤدي دورًا مهمًا عندما تستند إلى مشروع قائم. أما عندما تتحول إلى بديل عن المشروع، فإنها تصبح أداة لتأجيل مواجهة الواقع، لا لصناعته. فلا توجد حملة إعلامية قادرة على تعويض اقتصاد متراجع، ولا جيش إلكتروني يستطيع بناء جامعة، أو تطوير ميناء، أو رفع إنتاجية، أو جذب استثمار طويل الأجل.

القوة في القرن الحادي والعشرين أصبحت أكثر هدوءًا مما يتصور كثيرون. تعمل داخل المختبرات، ومراكز البيانات، والجامعات، والموانئ، والمناطق الصناعية، وشبكات الطاقة، وأسواق المال، أكثر مما تعمل داخل ساحات الجدل الرقمي. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد، من يملك الرواية الأقوى؟ وإنما، من يملك القدرة على إنتاج واقع يجعل الرواية قابلة للتصديق؟

الدول الصاعدة لا تحتاج إلى إقناع العالم بأنها قوية كل صباح، لأن الأسواق، والاستثمارات، والمؤشرات الاقتصادية، وكفاءة المؤسسات، تقوم بهذه المهمة نيابة عنها. أما الدول أو الجهات التي تعتمد على الشو وحده، فتجد نفسها مضطرة إلى إنتاج معركة إعلامية جديدة كل يوم، لأن الرواية التي لا يغذيها الواقع تفقد عمرها بسرعة.

الشرق الأوسط يتغير بسرعة. ومن يحاول قراءة هذه المرحلة بعدد القنوات الفضائية، أو بعدد المغردين، أو بحجم الجدل الإلكتروني، يقرأ مشهدًا افتراضيًا أكثر مما يقرأ المنطقة نفسها. أما القوة الحقيقية، فتعيش في مكان آخر؛ في الاقتصاد المنتج، والمؤسسات الكفؤة، والعلم، والتقنية، والقدرة على صناعة المستقبل. تلك العناصر هي التي ترسم موازين النفوذ، بينما المنصات الرقمية تعكس جزءًا من الصورة، ولا ترسمها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.