في كل مرة يحقق فيها إنسان إنجازًا كبيرًا، يظهر من يبتسم ابتسامة باردة ويقول: محظوظ!
كلمة واحدة تختصر سنوات من التعب، وتمحو آلاف الساعات من التعلم، وتختزل عشرات الإخفاقات في مصادفة عابرة. إنها الكلمة الأكثر ظلمًا في قاموس النجاح، والأكثر راحة في قاموس الفشل. ولذلك لم يعد الحظ مجرد تفسير لبعض الوقائع، بل تحول إلى دين يتعبّد به الكسالى، وعقيدة يعتنقها العاجزون، وشماعة يعلّق عليها كثيرون كل ما عجزوا عن تحقيقه.
الحقيقة أن الإنسان لا يحب الاعتراف بأنه قصّر. فالاعتراف بالتقصير يفرض عليه مسؤولية التغيير، بينما تعليق الفشل على الحظ يمنحه راحة نفسية مجانية. فمن الأسهل أن تقول إن غيرك نجح لأنه محظوظ، من أن تعترف بأنه قرأ أكثر منك، وتعلم أكثر منك، وخاطر أكثر منك، وصبر أكثر منك. ومن الأسهل أن تتهم الحياة بالظلم من أن تواجه نفسك بالحقيقة المرة: أنك لم تدفع الثمن الذي دفعه الآخرون.
الحظ في كثير من الأحيان ليس سوى الاسم الذي يطلقه الناس على النجاح الذي لم يشاهدوا كواليسه. يرون القمة ولا يرون الجبل. يرون الثمرة ولا يرون سنوات الزراعة. يرون الشركة العملاقة ولا يرون الليالي التي نام فيها مؤسسها على مكتبه. يرون الطبيب الناجح ولا يرون عشرات السنين بين الكتب. يرون المستثمر الثري ولا يرون الخسائر التي سبقت الأرباح. ثم يختصرون كل ذلك بكلمة واحدة: "محظوظ"!
ولو تأملت أكثر، لاكتشفت أن كلمة الحظ تُستخدم غالبًا عندما يجهل الناس التفاصيل. نحن نصف النجاح الذي لا نفهم أسبابه بالحظ، بينما الحقيقة أن لكل نتيجة أسبابًا، ولكل إنجاز ثمنًا، ولكل قمة طريقًا طويلًا لا يراه إلا صاحبه.
الفاشل لا يكره كلمة أكثر من كلمة "المسؤولية"، لذلك يبحث دائمًا عن متهم آخر. مرة يكون الاقتصاد، ومرة الحكومة، ومرة الأسرة، ومرة الأصدقاء، ومرة الظروف، وعندما تنتهي قائمة الأعذار يبقى الحظ هو المتهم الأخير. إنه المتهم الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولذلك يعلّقون عليه كل شيء.
لكن لو كان الحظ هو من يصنع الرجال، فلماذا لا ينجح الجميع عندما تأتيهم الفرص نفسها؟ كم من إنسان وُلد في بيت غني وانتهى مفلسًا؟ وكم من إنسان بدأ حياته من الصفر ثم أصبح من كبار رجال الأعمال؟ كم من طالب امتلك أفضل المدارس وفشل؟ وكم من طالب درس تحت ضوء شمعة وأصبح عالمًا؟ لو كان الحظ هو الحاكم المطلق، لما رأينا هذه المفارقات تتكرر كل يوم.
الواقع يقول إن الفرص تمر على الجميع، لكنها لا تتوقف إلا عند المستعدين لها. قد تطرق الفرصة بابك مرة واحدة، لكن استعدادك هو الذي يحدد إن كانت ستدخل أم سترحل. ولذلك يبدو الإنسان المستعد محظوظًا في أعين الآخرين، بينما هو في الحقيقة كان يستعد منذ سنوات لتلك اللحظة.
حتى في الحروب، وهي أكثر البيئات التي يتحدث الناس فيها عن الحظ، لا تكون النجاة نتيجة مصادفة؟
التدريب، والانضباط، وسرعة القرار، وقراءة الميدان، والخبرة، كلها تزيد احتمالات البقاء. نعم، قد توجد مصادفات لا يملك الإنسان السيطرة عليها، لكن تحويل المصادفة إلى قانون يفسر الحياة كلها ليس إلا هروبًا من التفكير.
وفي عالم التجارة، لا أحد يستثمر ملايين الدولارات اعتمادًا على الحظ. المستثمر الحقيقي يدرس الأسواق، ويقرأ الأرقام، ويحسب المخاطر، ويضع خططًا بديلة، ويستعد لأسوأ الاحتمالات. فإذا نجح، قال الكسالى: "كان محظوظًا".
وكأن النجاح جائزة يوزعها القدر عشوائيًا، لا نتيجة منظومة كاملة من العمل والانضباط والجرأة.
الأمم أيضًا لا تُبنى بالحظ. هل أصبحت الدول الصناعية الكبرى متقدمة لأن الحظ اختارها؟ أم لأنها استثمرت لعقود في الإنسان، والجامعة، والمختبر، والمصنع، والابتكار؟ هل وصلت شركات التكنولوجيا العملاقة إلى قيمتها السوقية لأن النجوم كانت في صفها، أم لأنها عملت آلاف الأيام دون توقف؟ إن اختزال كل هذه المنظومات في كلمة "حظ" ليس فقط تبسيطًا ساذجًا، بل إهانة للعقول التي صنعتها.
ومن أخطر آثار الإيمان بالحظ أنه يسرق من الإنسان أعظم قوة يمتلكها، وهي الإحساس بالقدرة على التغيير. عندما يقتنع الشاب أن مستقبله رهينة للحظ، سيتوقف عن تطوير نفسه، لأنه يعتقد أن النتيجة محسومة مسبقًا. أما عندما يدرك أن النجاح تراكمي، وأن كل كتاب يقرؤه، وكل مهارة يتعلمها، وكل تجربة يخوضها تقرّبه خطوة من هدفه، فإنه يتحول من متفرج على الحياة إلى صانع لها.
هذا لا يعني أن الحياة عادلة دائمًا، فهي ليست كذلك. يولد الناس في ظروف مختلفة، ويواجهون تحديات غير متساوية، وبعضهم يتعرض لمصائب لم يخترها. لكن الفرق بين العظماء وغيرهم أن العظماء لم يجعلوا تلك الظروف هوية دائمة، ولم يحولوها إلى عذر أبدي. لقد تعاملوا معها كنقطة بداية، لا كنقطة نهاية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الذين يكثرون من الحديث عن الحظ هم غالبًا أقل الناس حركة. ينتظرون الفرصة المثالية، والوقت المثالي، والشريك المثالي، والظروف المثالية، ثم يمضي العمر وهم ينتظرون. أما الذين يصنعون الفارق، فهم لا ينتظرون اكتمال الظروف، بل يبدأون بما يملكون، ويصححون المسار أثناء السير.
في النهاية، قد تحصل على فرصة، وقد تُحرم من أخرى، وقد تكون أمامك عقبات لم تخترها. لكن الشيء الوحيد الذي يبقى تحت سيطرتك هو قرارك. قرار أن تتعلم، وأن تعمل، وأن تصبر، وأن تنهض كلما سقطت. وهذا القرار هو الذي يصنع المستقبل، لا الحظ.
لذلك، كلما سمعت أحدهم يفسر النجاح بالحظ، فتذكر أنه غالبًا لم ير إلا اللحظة الأخيرة من القصة، أما الفصول التي سبقتها فقد كتبها العرق، والإرادة، والانضباط، والإيمان بأن الإنسان لا يولد عظيمًا بل يصبح كذلك.


