من يقرأ رواية "زوربا اليوناني" يدرك أن بطلها لم يكن رجلًا خارقًا، بل إنسانًا آمن بالحياة أكثر مما آمن بالنظريات، ورأى أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه، بل بما يعيشه ويمنحه للآخرين من فرح وشجاعة. كان زوربا تمرّدًا هادئًا على عبثية الوجود: أن نعيش بدل أن نفسّر الحياة فقط.
لو قُدّر له أن يولد في لبنان، فهل كان سيبقى الرجل نفسه؟ أم أن واقعًا مثقلًا بالأزمات كان سيعيد تشكيل روحه حتى يغدو أكثر صلابة وهدوءًا في آن واحد؟ هنا تتكوّن صورة "زوربا اللبناني": ليس شخصية بعينها، بل نمط وجود يومي يقف فيه الإنسان على حافة الانهيار ثم يواصل السير، كأن الاستمرار فعل طبيعي بالرغم من كل ما يحدث.
لم يعد لبنان يعيش أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات جزئية أو وعود سياسية. إنه بلد يختبر قدرة مواطنيه على الاحتمال أكثر مما يختبر قدرته على الإصلاح. عملة فقدت قيمتها، مدخرات تبخرت، مؤسسات تراجعت، وخدمات أساسية باتت غير مستقرة. ومع ذلك، يفتح اللبناني متجره، يتوجه إلى عمله، ويصطف في طوابير طويلة، ثم يعود إلى بيته كأن الحياة ما زالت قابلة للتفسير.
زوربا اللبناني لا يُختزل في فرد واحد، بل يتجسد في مشاهد متعددة: مزارع يتمسك بأرضه بالرغم من ضعف العائد، صياد يواجه البحر قبل الفجر، معلم يواصل التعليم كأنه طريق نجاة، وطبيب اختار البقاء بالرغم من إغراءات الرحيل. هؤلاء لا تحركهم الشعارات، بل قناعة بأن التوقف يعني الانسحاب من المعنى نفسه.
غير أن المأساة الأعمق لا تكمن في الضيق الاقتصادي فقط، بل في اختلال العلاقة بين الجهد والنتيجة. شاب يبذل سنوات في الدراسة ليجد أن مستقبله خارج الحدود، أب يدّخر عمره ليكتشف أن ما جمعه تبخر، وعائلة تعيش انتظارًا مفتوحًا بلا أفق واضح. عند هذه النقطة يصبح التعب سؤالًا وجوديًا، لا مجرد مجهود يومي.
ومع امتداد الأزمة، تتراجع قدرة الإنسان على الدهشة، ثم تتراجع معها رغبته في التغيير. ما كان استثناءً يصبح مألوفًا، وما كان انهيارًا يتحول إلى روتين، والحد الأدنى من الحقوق يغدو إنجازًا يُتداول كأنه نجاح. بهذا المعنى، لا يقتصر الخلل على الواقع، بل يمتد إلى طريقة التكيف معه.
في هذا المشهد، يظهر تناقض داخلي في السلوك العام. فالمواطن يشكو من منظومة يدرك أنها لم تفِ بوعودها، لكنه يعود في لحظات حاسمة إلى آليات الاختيار نفسها التي أعادت إنتاجها. بين الخوف من المجهول، والارتهان للواقع، والخيبة من البدائل، تتكرر الدائرة ذاتها دون كسر حقيقي.
ومع ذلك، تحتفظ الشخصية اللبنانية بطاقة خاصة تمنع الانطفاء الكامل. هناك ميل إلى الفرح بالرغم من الضيق، وإلى الكرم بالرغم من الحاجة، وإلى بناء روابط إنسانية بالرغم من هشاشة الظروف. هذا ليس تزيينًا عاطفيًا، بل شكل من أشكال الحفاظ على الحياة في حدها الأدنى من المعنى.
لكن هذا الشكل من الصمود، مهما بدا نبيلًا، لا يمكن أن يحل محل المؤسسات. لا يُطلب من الإنسان أن يتحمل ما يفترض أن تنظمه الدولة. وظيفة الدولة أن تجعل العيش ممكنًا دون اختبار دائم لقدرة الناس على الاحتمال.
إذا كان زوربا اليوناني قد جسّد القدرة على الرقص فوق الألم، فإن زوربا اللبناني يواجه تحديًا مختلفًا: أن يواصل السير دون أن يفقد ذاته تحت ثقل الواقع، وأن يحافظ على المعنى بالرغم من تآكل شروطه. غير أن البقاء وحده لا يكفي، لأن الحياة لا تُقاس بالتحمل فقط، بل بقدرة الإنسان على إعادة صياغة شروطها.
في النهاية، لا يحتاج لبنان إلى مزيد من الرموز، بل إلى انتقال في مفهوم المواطنة: من التكيف مع الانهيار إلى المشاركة في إنتاج بديل عنه. عندها فقط، لا يعود "زوربا اللبناني" شاهدًا على أزمة مستمرة، بل يتحول إلى علامة على إمكانية أن يصبح الوطن مساحة تُعاش بكرامة، لا تُختبر فيها القدرة على الصمود باستمرار.


