علي الخزيم
* فاجأني أنجالي باحتفالية تكريمية جميلة بأمسية أجمل؛ قالوا: إنها بمناسبة يوم الأب العالمي! والواقع إني قد سمعت بهذا اليوم ولم أُؤمن به؛ ذلكم أن الزَّعم بأن الاحتفاء بالأب أو الوالدين ينحصر بساعات يوم واحد بالعام هو انحراف عن سُنَّة العرب قبل إسلامهم؛ والأمة الإسلامية السائرة على الصراط المستقيم، وإن كانت أممًا تعيش الآن مع المفهوم المُعْوَج فهذا شأنهم: أليس منهم من يطلب من أولاده عند تجاوزهم سن المراهقة ترك المنزل بحجة الاعتماد على النفس؛ ثم يصاحب كلبًا أو قطًا يسلّيه؟ فربما استقر رأي أبنائهم على أن يومًا واحدًا بالعام يكفيهم لتحيتهم بتقديم وردة عن طريق التوصيل، وأدلل على هذا بأن رئيس دولة هناك سُئل عن والدته المقيمة بأرض أخرى؛ فقال: لم أشاهدها منذ تسع سنوات لمشاغلي الكثيرة!
* وأرى أن تحديد يوم لتكريم الأب والأم نوع من العقوق والجحود؛ فقد علَّمَنا ديننا الحنيف بالقرآن الكريم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} (23) سورة الإسراء، وكانت العرب منذ الأزل تُوقِّر وتكرم الوالدين والأجداد ولا تقدم عليهم أحدًا؛ وكمثال: ففي عصرنا الحاضر حين تُقدَّم القهوة العربية بالمجالس (كمقدمات لتكريم الضيوف بالمآدب) يبدأ من يقدمها من الشباب بأبيه؛ وقد يوجهه -تأدبًا- نحو الضيف؛ وينشأ فتيان المجتمع على هذا النهج لتقدير الوالدين وحفظ كرامتهما.
* وقالوا: أعلى مراتب الأبناء بِرَّا بوالديه هو المُبادر بتلبية رغباتهم قبل إفصاحهم عنها، ويليه المُطيع بعد الطلب، وأقلُّهم من ينفّذ على مَضَض، أمَّا الرابع فالعياذ بالله من طبعه! فغاية البر بالوالدين بالمبادرة بتلمس مطالبهما وما يلزمهما بحياتهما وتوفيرها أمامهم بقدر ما يستطيع المرء؛ والاعتذار عن العجز والتقصير عن بعض متطلباتهما بلطف وخضوع بين أيديهما، فالبر بهما وطاعتهما أمران بينهما فارق بسيط قد لا يدركه كل الأبناء؛ ويحتاج إلى نباهة ذاتية وتدريب وتعويد من الوالدين بالصغر لينشأ الأنجال عامة على التسابق للبِر والعطف والوفاء لوالديهما، رحم الله سبحانه كل من كان هذا دأبه إكبارًا وإجلالًا لهما.
* قد يغفل بعض الآباء عن مسألة يزعمون أنها من أكبر حقوقهم على أولادهم؛ ألا وهي كثرة المطالب المُرهقة ماديًا وبدنيًا للأبناء؛ فليس معنى البر أن يُهملوا أسرتهم الصغيرة وضرورياتهم الحياتية ليلبُّوا لك كل ما تفكر به وقت فراغك؛ أو كلما قابلت أحد الأصدقاء أو المعارف لتدعوه للعشاء (مثلًا) على حساب أولادك محدودي الدخل المجاهدين لمعيشة أطفالهم؛ فكما تود منهم اللطف والرحمة فهم بحاجة إليها كذلك!

