: آخر تحديث

جامعة الملك فيصل.. حين تصبح الاستدامة أثراً سعودياً عالمياً

2
3
3

حين تنتقل جامعة الملك فيصل خلال ثلاثة أعوام من المركز 99 عالميًا إلى المركز 35 عالميًا، فنحن أمام مسار لا مصادفة.. نحن أمام عمل مؤسسي منظم، وقيادة جامعية تقرأ مؤشرات العالم، لكنها لا تنفصل عن احتياجات المكان.. وهذا بالتحديد ما يمنح الإنجاز قيمته الأعمق..

ليس عابرًا أن تتقدم جامعة الملك فيصل إلى المرتبة الخامسة والثلاثين عالميًا في تقييم التايمز لتأثير الاستدامة 2026، وليس مجرد رقم أن تتصدر الجامعات السعودية والخليجية في واحد من أهم التصنيفات التي تقيس أثر الجامعات لا حضورها فقط، ولا شهرتها فقط، بل قدرتها على أن تكون جزءًا حيًا من معالجة تحديات الإنسان والتنمية والمستقبل.

هذا الإنجاز لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خبرًا جامعيًا محدودًا، بل بوصفه مؤشرًا وطنيًا واسع الدلالة، يعكس ما يحدث في قطاع التعليم السعودي من تحول عميق في المفهوم والوظيفة والدور. فالجامعة اليوم لم تعد مكانًا لتخريج الطلبة وحدهم، بل أصبحت عقلًا تنمويًا، ومختبرًا للحلول، ومنصةً لصناعة الأثر، وشريكًا مباشرًا في بناء المستقبل الذي تريده المملكة لنفسها في ظل رؤية 2030.

حين تنتقل جامعة الملك فيصل خلال ثلاثة أعوام من المركز 99 عالميًا إلى المركز 35 عالميًا، فنحن أمام مسار لا مصادفة. نحن أمام عمل مؤسسي منظم، وقيادة جامعية تقرأ مؤشرات العالم، لكنها لا تنفصل عن احتياجات المكان. وهذا بالتحديد ما يمنح الإنجاز قيمته الأعمق؛ إذ لم تذهب الجامعة إلى الاستدامة باعتبارها عنوانًا عامًا أو شعارًا دوليًا، بل ذهبت إليها من بوابة هويتها وموقعها وميزة الأحساء والمنطقة الشرقية، حيث الأمن الغذائي، والاستدامة البيئية، والطاقة، والابتكار، والبحث التطبيقي، كلها ليست موضوعات نظرية، بل أسئلة يومية متصلة بالأرض والإنسان والاقتصاد.

إن الجامعات التي تنجح اليوم هي تلك التي تعرف نفسها جيدًا، تعرف ماذا تملك، وماذا تستطيع أن تضيف، وأي فجوة وطنية يمكن أن تسهم في سدّها. وجامعة الملك فيصل، بهذا الإنجاز، تقدم نموذجًا لجامعة اختارت أن تبني تنافسيتها من داخل هويتها، لا من استعارة نماذج الآخرين. فمن الأحساء، بكل ما تمثله من إرث زراعي وحضاري وبيئي، تنطلق الجامعة لتقول إن المحلية ليست نقيض العالمية، بل طريقها الأكثر صدقًا حين تتحول إلى معرفة وبحث وابتكار وأثر.

واللافت في هذا الفوز أن الجامعة لم تحقق حضورًا في هدف واحد من أهداف التنمية المستدامة، بل جاءت ضمن أفضل 100 جامعة عالميًا في ستة أهداف، تشمل القضاء على الفقر، والقضاء التام على الجوع، والتعليم الجيد، والطاقة النظيفة، والصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، والحد من أوجه عدم المساواة. وهذه المجالات تكشف اتساع أثر الجامعة وتنوعه، كما تكشف أن الاستدامة في منطقها المؤسسي ليست ملفًا جانبيًا، بل ثقافة إدارية وأكاديمية وبحثية تمتد عبر التعليم، وخدمة المجتمع، والشراكات، والابتكار.

وهنا تحديدًا تتجلى مؤشرات النجاح الحقيقي، فالجامعة الناجحة ليست التي تطارد التصنيفات، بل التي تجعل التصنيفات نتيجة طبيعية لجودة العمل، وليست التي ترفع شعار المواءمة مع الرؤية، بل التي تترجم الرؤية إلى برامج ومبادرات ومخرجات وأثر قابل للقياس، ونجاح جامعة الملك فيصل في هذا التقييم العالمي يعكس نضجًا في الحوكمة، ووضوحًا في الأولويات، وقدرة على تحويل البحث العلمي إلى قيمة تنموية، والتعليم إلى مسؤولية، والشراكة المجتمعية إلى ممارسة مستدامة.

كما أن هذا الإنجاز يأتي في سياق وطني أوسع، تقوده قيادة جعلت الاستثمار في الإنسان والمعرفة خيارًا استراتيجيًا. فدعم خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد -حفظهما الله- للتعليم لم يعد دعمًا تقليديًا لقطاع خدمي، بل هو تمكين لمنظومة تصنع التنافسية الوطنية. وطموح سمو ولي العهد تجاه جامعات المملكة واضح في أن تكون جامعاتنا في مواقع متقدمة عالميًا، لا من أجل الرقم وحده، بل لأن الجامعة المتقدمة تعني اقتصادًا أكثر ابتكارًا، ومجتمعًا أكثر معرفة، ودولة أكثر قدرة على صناعة حلولها بنفسها.

إن رؤية 2030 لا تريد جامعات تكتفي بالتدريس، بل جامعات تفكر، وتبتكر، وتقيس أثرها، وتنافس العالم، وتخدم أولويات الوطن. ومن هنا تأتي أهمية أن تتصدر جامعة الملك فيصل الجامعات السعودية والخليجية في تقييم عالمي مرتبط بالاستدامة؛ لأن الاستدامة ليست ترفًا فكريًا، بل شرط من شروط المستقبل، ومفتاح من مفاتيح الاقتصاد الجديد، ومسار من مسارات جودة الحياة، وكفاءة الموارد، وعدالة الفرص، وحماية البيئة.

ولعل أجمل ما في هذا الإنجاز أنه يعيد تعريف العلاقة بين الجامعة ومحيطها، فالجامعة حين تنجح في الأمن الغذائي، فهي لا تخدم قاعاتها البحثية فقط، بل تخدم المزارع، والأسرة، والسوق، وسلاسل الإمداد، والأجيال القادمة. وحين تنجح في الطاقة النظيفة والابتكار والتعليم الجيد، فهي لا تحصد نقاطًا في تصنيف، بل تضع لبنة في مشروع وطني كبير، عنوانه: المملكة التي تتقدم بثقة، وتنافس بمعرفة، وتبني مستقبلها بسواعد أبنائها وبناتها.

إن جامعة الملك فيصل اليوم لا تحتفي بمرتبة عالمية فحسب، بل تحتفي برسالة نجحت في أن تصل. رسالة تقول إن الجامعة السعودية قادرة على أن تكون محلية الجذور، عالمية الأثر؛ وأن الأحساء، بما تختزنه من عمق ومقومات، قادرة أن تكون منصة لفكرة سعودية كبرى في الاستدامة والتنمية.

هنيئًا لجامعة الملك فيصل هذا الإنجاز المستحق، وهنيئًا للوطن جامعة تعرف طريقها، وتدرك دورها، وتمضي بثبات في زمن لا يعترف إلا بالمؤسسات التي تصنع أثرًا حقيقيًا، وتترك في المستقبل بصمتها الواضحة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد