: آخر تحديث

عن حماسة كرة القدم وحيويَّة «التشجيع»

3
2
4

مع كل موسمٍ مونديالي عالمي تتغيّر الحركة البشرية على المستويين الذاتي والزمني. يصبح الوقت المنتظَر لبدء المباراة هو الأساسيّ بغية التجهيز النفسي لمتابعة النزال؛ وآية ذلك أنَّ في هذا المونديال قد سهّلت بعض الدول على الموظفين ساعاتِ عملهم من أجل رفع معنويات منتخبهم وممثلهم في كأس العالم. بعضٌ قد يرى أنَّ في التشجيع ترفاً أو مضيعة للوقت، وهذا منقوضٌ تماماً إذ يمثّل الانتماء للقميص الممثل لبلدك هويّتك وتاريخك وأرضك، إنَّ كل لاعب يرتدي قميص وطنك تنظر إليه وكأنَّه أنت، حيث تشعر بالغضب لحظة الخسارة، وبالفرح العارم إذا تمكّن من تحقيق أي انتصار.

وأستدلّ على ذلك بمبحثٍ بعنوان: «الرياضة والشعوب والسياسة (1945)» لجورج أورويل، ترجمة ناصر المري، لصالح مجلة «حكمة». وفيه يقول:«كل الألعاب الرياضية اليوم تنافسية، تلعب لتفوز، إذ لا معنى للعبة إذا لم تبذل قصارى جهدك للفوز على المستطيل الأخضر، عندما تختار أحد الأطراف دون الشعور الوطني المحلي، فإنه من الممكن فقط اللعب للمتعة والتمرين، لكن حالما تحضر قضية البرستيج عندما تشعر أنك جزء من وحدةٍ أكبر سيحل بها الهوان عند الهزيمة، عندها تستثار لدى اللاعب أبشع الغرائز الوحشية، وهذا شيءٌ يعرفه من سبق أنْ لعب مباراة كرة قدم في مدرسة. الرياضة على المستوى الدولي صراحةً هي محاكاةٌ للحرب».

وهذا صحيح؛ فالرياضات والمسابقات وعلى رأسها كرة القدم لها حركتها الزمانية والمكانية، ولها روحها، وعلامتها، وثقافتها.

بل لها تاريخ ضاربٌ ومتطور، وتداخل متشعب؛ فهي تنسجم مع المجالات الأخرى، بل من صميم حيويتها وفاعليتها، كالمجال الطبي، لاتصالها بالصحة والحياة، والآخر في المجال الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي؛ فهي تدخل على هذه المجالات بصفتها عملية تغالب ومقاومة ومراهنة، بل تدخّل في درْس فضاءيها وأثرها الفلاسفة.

ومن ضمن تداخلها مع المجال الثقافي تتمكن الفلسفة من طرح الرياضة في عصب نظرياتها؛ والرياضة درستها الفلسفة بشكلٍ غير مباشر، وذلك لجهة اتصالها بالقواعد، والتغالب، والفضاء الذي تمارس فيه، ولوقوعها في زمانٍ ومكانٍ، ولما تحمله كل رياضة من تاريخ، وهذا هو السبب الذي دفع ستيفن كونور لتأليف كتابه المهم: «فلسفة الرياضة». يدرك المؤلف أنَّ بين الرياضة والفلسفة بعض الانفصال وكثيراً من الاتصال.

فهو في ديباجة الكتاب يعترف بأنه: «ليس هناك ارتباط طبيعي، ظاهرياً، يربط الرياضة بالفلسفة؛ فمن المفترَض عموماً، وربما تشيع الفرضية نفسها حتى بين قليلٍ من الفلاسفة، أنَّ الفلسفة أقرب مما يمكن أن يمارسه المرء إلى التفكير المحض، الذي ينطوي (مثلاً) على فعل التفكير في التفكير نفسه. وفي المقابل، نجد أن الرياضة تنطوي على إجهاد البدن في شيءٍ أشبه ما يكون بأنقى أشكاله».

والمسافة البعيدة، بحسب المؤلف، بين الفلسفة الأخلاقية والقضايا العملية تتجسد في مسرحياتٍ مثل ما كتبه توم ستوبارد بعنوان «القافزون» (1972) بتمثيل الفلسفة الأخلاقية بلغة الرياضة البدنية، والفجوة بين الطبيعي، وما وراء الطبيعي، هي مصدر الضحك في المشهد المسرحي الهزلي، لمجموعة مونتي بايثوني الموسيقية الهزلية، الذي يصوّر مباراة أولمبية نهائية بين فريقي كرة قدمٍ من الفلاسفة يمثلان اليونان وألمانيا.

مثلاً؛ في المسرحية، وفور أن تنطلق الصافرة، يشرع الفلاسفة في المشي بخطواتٍ واسعة حول الملعب، ولا يلاحظ أحدهم الآخر قط، غير أنهم يتأملون ويتجادلون مع أنفسهم، بينما تستقر الكرة في منتصف الملعب من دون حراك، وأخيراً بعد أن ينزل الإلهام المفاجئ على «أرخميدس» يشن حكماء اليونان هجمة تخترق صفوف الألمان المتفاخرين، فتنتهي بـ«سقراط» وهو يسدد الكرة في مرمى الألمان. يخوض الألمان نزاعاً حول صحة الهدف، بحسب وصف المعلق على المباراة بحماس: «يحتج هيغل بأنَّ الواقع مجرد ملحق بديهي للأخلاق الطبيعية. أمَّا كانط، فيحتج استناداً إلى الأمر القطعي؛ بأنَّ الواقع الموجود مجرد أنطولوجيا فقط في الخيال. ويزعم ماركس أنَّ الهجمة كانت تسلُّلاً».

نعم هي مسرحية هزلية ولكنَّها تعبّر عن لبّ التلاقي الرياضي والمجتمعي والثقافي.

ومعلومٌ أنَّ هذه المسرحية فرشت الطريق بين كرة القدم والفلسفة، عبر تكوين فريق لكل منهم حججه النظرية في الموقف؛ من صوابية الربح، والمؤلف يعترف بأنَّ هذا الكتاب تتمة لثلة سبقوه، منهم مارك بيريمان «كرة القدم والفلسفة»، وتتمته كتاب «كرة القدم الفلسفية»، الذي يطرح فيه تبديلاتٍ للمسارات المهنية الفكرية لفلاسفة أخذهم كشخصياتٍ لمسرحيّة رياضية.

الخلاصة أنَّ التشجيع الرياضي جزء من الغريزة الإنسانيّة، فهو بديل عن العنف والحرب؛ إنَّ اللعب والتحكيم وإطلاق الأهازيج وتسجيل الأهداف أو طرد اللاعب المسيء كلها علامات تشرح طبيعة الإنسان وتلخّص تاريخه، وهذا التفسير ربما لا يروق لبعض المثقّفين الغارقين في مكتباتهم، والذين يريدون من كل المجتمع أن يكون باحثاً في النقد والنظريّة والتكوين الغربي والاستعمار، أو الاعتكاف بمكتبةٍ وعلى مدى عقود، لبحث مسائل «البلاغة» و«التناصّ».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد