تطرقتُ في المقالات السابقة لعدد من الممارسات التي شوهت بها بعض شركات التأمين الصورة الجميلة للتأمين الصحي، الذي نجحنا في تحقيقه في هذا العهد بعد عقود من الفشل والمحاولات اليائسة نتيجة لتولي الأطباء شأناً إدارياً بحتاً ليس من تخصصهم، مع تداخل وتضارب المصالح بين التأمين واستثمار الأطباء في الخدمات الصحية الخاصة، وذكرت من تشويه بعض شركات التأمين للصورة الجميلة الحالية رفضهم لتدخلات طبية أساسية قررها أطباء استشاريون في القلب والباطنة والجراحة والأطفال، ويرفضها طبيب عام يريد التوفير للشركة وحسب.
ومن الصور المشوهة، ذكرت في مقال الأربعاء الماضي تباين قبول شركات التأمين الصحي لبعض التدخلات والإجراءات والأدوات الضرورية لإتمام العملية العلاجية مثل: مجسات سكر الدم ومجسات القلب والمؤشرات الحيوية، واكتشفت بعد بحث مكثف أن سر التباين يكمن في (طيبة) المفاوض ومحلل العطاءات في المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والخاصة، التي تطرح عروضًا للتأمين الصحي لمنسوبيها وتستقبل العطاءات وتقبل الأرخص ولو بفرق بسيط، وتغض الطرف (بقصد أو بدون قصد) عن عدم شمولية العطاء، ووضع شركة التأمين ذات العطاء الأرخص لاستثناءات كثيرة لا يشملها العقد مثل: المجسات، وهي بالمناسبة باهظة الثمن يتراوح سعر الواحد منها بين 600 إلى 1000 ريال ويعمل لمدة 15 يوماً فقط.
وختمت مقال الأربعاء الماضي بالتطرق سريعًا لأمر مضحك مبكٍ، وهو رفض جميع مختبرات التحليل الأهلية والخاصة في مدينة واحدة لقبول التأمين الصحي عند طلب تحاليل مهمة وضرورية، سواء كطلب جديد أو متابعة لحالة مرضية، وقد قمت شخصيًا بتقصي هذه الشكوى بنفسي، فاخترت مدينة المجمعة في منطقة سدير للبحث، حيث تقارب المسافات وقلة الزحام، ومررت بجميع مختبرات التحليل في المجمعة، ووجدت أنها جميعًا لا تقبل التأمين الصحي وتطلب الدفع المباشر، وغني عن القول إنها جميعًا مختبرات خاصة مشهورة، ولها أصولها في المدن الرئيسة وفروعها في المدن الأخرى، وأنظمتها واحدة شاملة، فما يقال عن فرع المجمعة يصح على جميع الأصول والفروع.
إن التحاليل المخبرية أساس أصيل في التشخيص الطبي وخطة العلاج، بل أصبحت هي والأشعة الكل والأصل والأساس والمرجعية في العملية العلاجية والوقائية، فكيف تتم بمعزل عن التأمين الصحي، وكيف يجرؤ ملاك تلك المختبرات على رفض التعامل بالتأمين الصحي وترفض الإحالة على شركات التأمين؟! علمًا أن جميع عبارات التوعية الصحية والوقائية تحث الناس على إجراء فحوصات دورية نصف سنوية أو سنوية من بينها تحاليل الدم وبقية العناصر والمؤشرات التي قد تعين على الاكتشاف المبكر لأمراض صامتة خطيرة.
الأخطر من رفض مختبرات التحليل الخاصة لقبول التأمين الصحي هو اتفاقهم جميعًا على هذا الرفض، فمثل هذه الاتفاقات ليست في صالح المريض ولا تخدم الصالح العام ويجب الوقوف ضدها بحزم، فقد رأينا سلبيات اتفاق شركات الألبان على سعر موحد حتى وصل بهم الأمر لعدم تقديم عروض لأغلى يوم (اليوم الوطني)، ويجدر القول هنا إن محال النظارات تقبل صرف النظارات على حساب التأمين، والمجسات وتحاليل الدم ليست أقل أهمية من النظارات.

