: آخر تحديث

لماذا يحمل النظام الإيراني جثمان خامنئي إلى العراق؟

2
2
2

ليس اختيار العراق لإقامة مراسم رمزية لجثمان علي خامنئي مجرد قرار بروتوكولي أو ديني، بل رسالة سياسية تعكس حجم الأزمة التي يعيشها نظام ولاية الفقيه. فالنظام الذي يواجه تراجعًا غير مسبوق في الداخل، وتقلصًا لنفوذه الإقليمي، يدرك أن معركته الأساسية أصبحت معركة صورة ورمزية أكثر منها معركة قوة حقيقية.

ولهذا، يسعى إلى تقديم مشهد يوحي بأن نفوذه ما زال ممتدًا خارج الحدود، وأن العراق لا يزال جزءًا من المجال الذي يستطيع التحرك فيه بحرية. لكن هذا الاستعراض يكشف، في الواقع، حاجة النظام إلى تعويض ما فقده، لا ما يمتلكه.

وتزداد دلالة هذه المحاولة إذا قورنت بما شهده مؤتمر إيران الحرة 2026 في باريس. ففي الوقت الذي اجتمع فيه آلاف الإيرانيين وشخصيات سياسية وبرلمانية دولية لتأكيد وجود بديل ديمقراطي منظم، يحاول النظام أن يرد على هذا المشهد بحشد رمزي حول جثمان زعيمه الراحل. وبين الصورتين يظهر الفارق بوضوح: هناك مشروع يتحدث عن المستقبل، وهنا سلطة تستند إلى الماضي وتحاول إحياء رموزه.

وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن هذه الحملات الدعائية مع تصاعد الخلافات داخل مؤسسات النظام، وتزايد الحديث في الصحف الإيرانية عن الانقسامات حول المفاوضات وإدارة المرحلة المقبلة. فعندما تتراجع القدرة على إنتاج إنجاز سياسي أو اقتصادي، يصبح الاستثمار في الرموز وسيلة لتعويض أزمة الشرعية.

لكن السؤال الأهم يتعلق بالعراق نفسه. فهل يمكن لبلد دفع ثمنًا باهظًا بسبب تدخلات النظام الإيراني أن يتحول إلى منصة لتكريم رأس المشروع الذي ارتبط اسمه بتوسيع نفوذ الميليشيات وإضعاف الدولة؟

لقد عاش العراقيون، على مدى أكثر من عقدين، آثار مشروع قام على ربط القرار الوطني بشبكات مسلحة، واستنزاف مؤسسات الدولة، وتعميق الانقسام الداخلي. كما كشفت التحقيقات الأخيرة في ملفات الفساد جانبًا من العلاقة بين المال السياسي، والميليشيات، وشبكات النفوذ التي استفادت من غياب الدولة. ولذلك، فإن كثيرًا من العراقيين لا ينظرون إلى خامنئي بوصفه شخصية دينية أو سياسية عابرة، بل باعتباره رمزًا لمرحلة ارتبطت بالعنف، وتغليب السلاح على القانون، وإضعاف مؤسسات الدولة.

ولهذا، فإن تحويل النجف أو كربلاء إلى مسرح لمراسم دعائية لا يمثل فقط قضية بروتوكولية، بل يطرح سؤالًا سياديًا: من يملك القرار في العراق؟ وهل تُستخدم المدن المقدسة لخدمة مشاعر العراقيين، أم لتوجيه رسائل سياسية تخدم نظامًا يعيش إحدى أكثر مراحله صعوبة؟

إن ما يجري يكشف مفارقة واضحة. فكلما ازدادت عزلة النظام في الداخل، ازداد تمسكه بالرموز والاستعراضات. وكلما اتسعت الفجوة بينه وبين المجتمع الإيراني، حاول إظهار أن نفوذه الخارجي ما زال قائمًا. غير أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بالمواكب ولا بالمراسم، بل بقدرة المشروع السياسي على كسب احترام الشعوب.

ومن هنا، تبدو محاولة نقل جثمان خامنئي إلى العراق تعبيرًا عن أزمة أكثر منها تعبيرًا عن قوة. إنها محاولة للإيحاء بأن مشروع ولاية الفقيه ما زال حاضرًا في المنطقة، بينما تشير الوقائع إلى تراجع هذا المشروع أمام رفض متزايد داخل إيران، وداخل العراق أيضًا.

ولهذا، فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد بالاستعراضات الرمزية، بل بقدرة شعوبها على استعادة قرارها الوطني. وما أظهره مؤتمر إيران الحرة 2026 في باريس يؤكد أن الصراع لم يعد بين نظام ومعارضيه فحسب، بل بين مشروع يسعى إلى إدامة الهيمنة عبر الأزمات، ومشروع آخر يطرح بديلًا ديمقراطيًا يقوم على سيادة الشعوب، واحترام الدول، وإنهاء سياسة التدخل والميليشيات. وفي هذا السياق، يصبح من الصعب أن يقبل العراقيون بأن تُستخدم أرضهم لتلميع صورة مشروع حمّلوه مسؤولية سنوات طويلة من الدم والفساد وتقويض الدولة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.