: آخر تحديث

هل الإيديولوجيا بضاعة لا تُرد ولا تُستبدل؟!

5
5
5

من أغرب ما يفعله الإنسان بنفسه أنه يتعامل مع بعض الأفكار كما لو كانت عقدًا أبديًا لا يحق له مراجعته، أو سلعة كُتب عليها: "لا تُرد ولا تُستبدل"، فيدافع عنها حتى بعد أن تتراكم الأدلة على قصورها، ويبرر تناقضاتها، ويعيد تفسير الواقع كي ينسجم معها، بدلاً من أن يعيد النظر فيها لتنسجم هي مع الواقع، وهنا لا يعود الإنسان قائدًا لفكره، بل يصبح الفكر قائدًا له، فتتحول الإيديولوجيا من أداة لفهم العالم إلى قيد يمنعه من رؤيته.

الإيديولوجيات ليست شرًا في ذاتها، فهي في الأصل محاولات بشرية لتنظيم الأفكار، وتفسير المجتمع، وتقديم إجابات عن أسئلة السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والدين، والهوية، لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل من كونها اجتهادًا بشريًا إلى مرتبة المقدس، ومن كونها وسيلة إلى غاية، ومن كونها قابلة للنقد إلى منطقة محرمة لا يجوز الاقتراب منها، فعند تلك اللحظة يفقد الإنسان أهم ما يملكه، وهو القدرة على مراجعة نفسه.

ولذلك نجد أن كثيرًا من أتباع الإيديولوجيات لا يدافعون عن أفكارهم لأنها أثبتت نجاحها، بل لأنهم استثمروا فيها أعمارهم، وصداقاتهم، ومكانتهم الاجتماعية، وصورتهم أمام الناس، فيصبح الاعتراف بخطأ الفكرة بالنسبة إليهم اعترافًا بخطأ العمر كله، وهنا يعمل العقل بطريقة دفاعية، فيرفض الأدلة، ويشكك في الوقائع، ويبحث عن أي تفسير يحفظ ماء وجه الإيديولوجيا، حتى لو أغرق الحقيقة.

المفارقة أن الإنسان يقبل بسهولة أن يغير هاتفه، أو سيارته، أو طريقته في العمل، لأنه يدرك أن التطور سنة الحياة، لكنه حين يتعلق الأمر بالأفكار، يتعامل معها وكأنها خارج الزمن، مع أن الأفكار البشرية أولى بالمراجعة من الأدوات، لأنها هي التي توجه القرارات، وتبني المجتمعات، وتصنع الحروب، والسلام، والنجاح، والفشل، فإذا كان الإنسان يحدث برامجه الإلكترونية باستمرار، فكيف يرفض تحديث برامجه الفكرية؟

إن أخطر ما تصنعه الإيديولوجيا المغلقة أنها لا تكتفي بتفسير العالم، بل تعيد تصنيف البشر أيضًا، فتقسمهم إلى صالحين وأشرار، وعقلاء وجهلة، ووطنيين وخونة، ومتنورين ورجعيين، بحسب قربهم أو بعدهم من الفكرة، لا بحسب أفعالهم أو أخلاقهم، وعندها يتحول الحوار إلى محاكمة، ويصبح الاختلاف جريمة، ويفقد المجتمع قدرته على إنتاج حلول مشتركة، لأن الجميع منشغل بإثبات أنه يملك الحقيقة الكاملة.

والتاريخ مليء بإيديولوجيات كانت تَعِد البشرية بالجنة، ثم قادتها إلى الكوارث، ليس لأن الفكرة وحدها كانت سيئة بالضرورة، بل لأن أتباعها تعاملوا معها باعتبارها معصومة من الخطأ، فكل فكرة بشرية، مهما بلغت من الإحكام، تحمل في داخلها احتمال الصواب، واحتمال الخطأ، ولا توجد مدرسة فكرية نجت من المراجعة، أو استطاعت أن تحتكر الحقيقة إلى الأبد.

واللافت أن أكثر المفكرين تأثيرًا في التاريخ لم يكونوا أولئك الذين حافظوا على أفكارهم دون تغيير، بل الذين امتلكوا شجاعة مراجعة أنفسهم، فالنضج الفكري لا يعني الثبات على الرأي، بل يعني القدرة على الانتقال إلى رأي أفضل عندما تظهر معطيات جديدة، لأن الثبات على الخطأ ليس مبدأ، بل عناد، ولأن التراجع عن فكرة خاطئة لا يُنقص الإنسان، بل يرفعه.

وليس المقصود هنا الدعوة إلى السيولة الفكرية، أو تبديل القناعات مع كل موجة عابرة، فالمبادئ الراسخة تختلف عن الإيديولوجيات المغلقة، إذ يمكن للإنسان أن يحافظ على قيمه الكبرى، كالعدل، والصدق، والأمانة، وحب الوطن، واحترام الإنسان، وفي الوقت نفسه يراجع الوسائل، والتصورات، والتحليلات، لأن الفرق كبير بين الثبات على القيم، والجمود على التفسيرات البشرية.

ولعل المشكلة الأكبر أن بعض الناس لا يعود يدافع عن الإيديولوجيا لأنها تقنعه، بل لأنها أصبحت هويته الشخصية، فإذا انتقدت الفكرة، شعر أن شخصه هو الذي تعرض للهجوم، وإذا ناقشت المذهب، ظن أنك تناقش كرامته، وهنا ينتهي التفكير، ويبدأ الاصطفاف النفسي، فيصبح الانتماء أهم من الحقيقة، والولاء للفكرة أقوى من الولاء للواقع.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: أي الإيديولوجيات أصح؟ بل: هل ما زلنا نملك الشجاعة الكافية لمراجعة ما نؤمن به؟ لأن العقل الذي لا يسمح لنفسه بالمراجعة، يتحول مع الزمن إلى متحف، يحتفظ بالأفكار القديمة، لكنه يعجز عن فهم العالم الجديد، والإنسان الذي يخاف من تغيير رأيه، قد يكتشف بعد سنوات أنه لم يكن يحمي الحقيقة، بل كان يحمي خوفه من الاعتراف بأنه أخطأ.

في النهاية، ليست الإيديولوجيا بضاعة لا تُرد ولا تُستبدل، بل هي منتج بشري يخضع لما تخضع له كل المنتجات البشرية من اختبار، وتقويم، ومراجعة، وتطوير، أما الفكرة التي تمنع صاحبها من الاعتراف بخطئها، فهي لم تعد فكرة، بل أصبحت قيدًا، والعقل الذي لا يراجع نفسه، لا يختلف كثيرًا عن كتاب أُغلق على آخر صفحة فيه، بينما الحياة تواصل كتابة فصولها كل يوم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.