: آخر تحديث

ليس هذا الأخضر الذي عرفناه

8
7
7

حين أطلق الحكم صافرة النهاية معلنًا وداع منتخبنا الوطني للمونديال، لم تكن الحسرة على خسارة مباراة فحسب، بل كانت على مشهد يتكرر منذ سنوات، وعلى طموح جماهيري كبير لم يجد ما يوازيه على أرض الملعب.

ولأننا نحب هذا المنتخب، لأنه يمثل أغلى وطن، فإن من حقه علينا أن نتحدث عنه بصدق، ومن حق الجماهير أن تتساءل: ماذا حدث للأخضر؟

أقولها وأنا ممن عايشوا مراحل مختلفة من تاريخ منتخبنا الوطني، ورأوا بأعينهم جيلًا كتب أجمل صفحات الكرة السعودية، جيل الأمير الراحل فيصل بن فهد، رحمه الله، وجيل صالح النعيمة ويوسف الثنيان وماجد عبدالله ومحمد الدعيع وسامي الجابر وفؤاد أنور وغيرهم من النجوم الذين حملوا شعار الوطن قبل أي شيء آخر.

لم تكن الإمكانات آنذاك كما هي اليوم، ولم تكن العقود بالملايين، ولا المكافآت بالأرقام التي نسمعها الآن، لكن كان هناك أمر لا يُقاس بالأموال ولا يُشترى بالعقود، وهو روح المنتخب.

كان اللاعب يدخل الملعب وهو يشعر أنه يمثل وطنًا بأكمله، وأن خلفه شعبًا ينتظر منه العطاء والقتال حتى آخر دقيقة. كنا نشاهد منتخبًا قد يخسر أحيانًا، لكنه لا يغيب أبدًا عن المنافسة، ولا يخرج إلا وقد ترك في النفوس شعور الفخر والاعتزاز.

أما اليوم، فالوضع مختلف واختلف.

فالمملكة تعيش نهضة رياضية غير مسبوقة، ومنشآت عالمية، واستثمارات ضخمة، واستقطابات رياضية لفتت أنظار العالم، ودعم كريم لا محدود من القيادة جعل الرياضة السعودية حديث القارات، ومع ذلك، لا يزال السؤال قائمًا: لماذا لم ينعكس كل ذلك بالصورة المأمولة على المنتخب الوطني؟

لا أحد ينكر الجهود المبذولة، ولا أحد يقلل من عمل القائمين على الرياضة، لكن النتائج هي المقياس الحقيقي لأي عمل، والجماهير التي فرحت كثيرًا بما تحقق للأندية السعودية كانت تنتظر أن ترى الأثر ذاته على المنتخب الأول. ولعل ما يحتاجه الأخضر اليوم ليس تغيير مدرب أو لاعب فحسب، بل مراجعة شاملة وصريحة تبدأ من القاعدة، مرورًا باكتشاف المواهب وصقلها، وانتهاءً ببناء منتخب يمتلك الشخصية والروح والهوية.

إنَّ السنوات المتبقية على استضافة المملكة لكأس العالم ليست كثيرة، وهي مسؤولية تاريخية تتطلب عملًا استثنائيًا، فالوطن الذي نجح في إبهار العالم في الاقتصاد والسياحة والثقافة والتنمية قادر بإذن الله على أن يقدم منتخبًا يليق باسمه ومكانته عندما يستضيف أكبر حدث رياضي على وجه الأرض.

لسنا هنا لنجلد أحدًا، ولا لنبحث عن شماعات نعلق عليها الإخفاق، بل لنقول كلمة محب لوطنه ومنتخبه: إن ما نراه اليوم لا يشبه ذلك الأخضر الذي عرفناه، ولا يوازي حجم الدعم والطموح والإمكانات المتاحة.

الخاتمة

سيبقى المنتخب منتخبنا، وستبقى رايته خفاقة في قلوبنا مهما تعثر أو أخفق، لكن المحبة الصادقة لا تعني الصمت، بل تعني المصارحة والمراجعة والعمل من أجل الأفضل.

وإذا كانت الجماهير، وأنا أحدهم، قد حزنت لهذا الخروج المبكر، فإنها ما زالت تؤمن بأن القادم أفضل، وأن القيادة التي صنعت الإنجازات في مختلف الميادين قادرة، بعون الله، على أن تقود نهضة رياضية تعيد للأخضر بريقه وهيبته ومكانته.

فالأوطان لا تُبنى بالعواطف وحدها، بل بالرؤية والعمل والتخطيط، والأخضر السعودي يستحق أن يعود كما كان، بل أفضل مما كان.

رحم الله رجال الأمس الذين صنعوا المجد، ووفق رجال اليوم لصناعة مجد جديد يفرح به الوطن، ويليق باسم المملكة ومكانتها بين الأمم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.