: آخر تحديث

بين التغابي والوعي.. حين تنتهي الرحلة

3
3
4

سارا القرني

حين يدخل الإنسان علاقة عاطفية، فإنه غالبًا ما يتنازل عن جزء من صلابته. يهدأ صوته الداخلي، ويخفف من حدة أحكامه، ويحاول أن يمنح العلاقة فرصة للاستمرار. في هذه المرحلة قد يتغابى عن بعض التصرفات، ويتجاوز بعض الأخطاء، ليس لأنه لا يراها، بل لأنه يختار أن يمنحها تفسيرًا أقل قسوة.

لكن هناك فرقًا بين التغابي المؤقت الذي يهدف إلى الحفاظ على العلاقة، وبين الاستسلام الكامل حتى يفقد الإنسان احترامه لنفسه. فالإفراط في تجاهل العيوب يجعل صاحبه يعيش في صورة لا تشبه الواقع، حتى يبدو وكأنه لا يرى ما يراه الجميع.

وعندما تنتهي العلاقة، يكون الألم حاضرًا بلا شك. غير أن طريقة التعامل مع هذا الألم هي التي تصنع الفارق. فهناك من يبقى أسيرًا لما حدث، وهناك من يحول التجربة إلى درس، ويجعل الألم بداية جديدة لا نهاية.

ومع مرور الوقت يستعيد الإنسان ثقته بنفسه، ويرتفع تقديره لذاته من جديد. عندها ينظر إلى الماضي بهدوء، فيدرك أنه كان في رحلة تعلم، وأن كل موقف مر به أضاف إليه خبرة لم يكن يمتلكها من قبل. وقد يصف نفسه بأنه كان غبيًا، لكنه يكتشف لاحقًا أن الحقيقة كانت مختلفة. ففي أحيان كثيرة لم يكن يجهل ما يحدث، بل كان يتغابى بإرادته حتى لا تتحول كل مشكلة إلى معركة، وحتى يمنح العلاقة فرصة أخيرة للنجاح.

وهذا النوع من الأشخاص غالبًا ما يتجاوز الانفصال بصورة أسرع، لأنه حين يتخذ قرار النهاية يكون قد استنفد كل محاولاته، ولم يعد يحمل داخله أسئلة كثيرة. لقد رأى، وفهم، وصبر، ثم اقتنع.

النضج الحقيقي لا يعني ألا تثق بأحد، بل أن تعرف متى تمنح الفرصة، ومتى تتوقف. وأن تدرك أن التغابي المؤقت قد يكون وسيلة للحفاظ على الهدوء، لكنه لا يجب أن يتحول إلى أسلوب حياة.

في النهاية، ليست كل علاقة تنجح، وليست كل نهاية خسارة. فبعض النهايات تعيد للإنسان نفسه، وتجعله أكثر وعيًا بقيمته، وأكثر قدرة على اختيار من يستحق البقاء في حياته.

فأجمل ما تمنحه التجارب للإنسان، ليس الألم، بل الحكمة التي تولد بعده.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد