: آخر تحديث

عداوات بالجملة وحلفاء بالتجزئة: كيف تدير إيران رسائلها المتناقضة؟

7
8
7

لا تتصرف إيران في الإقليم كدولة تبحث عن تسوية واضحة، ولا كقوة ذاهبة إلى مواجهة شاملة. إنها تتحرك غالبًا في المنطقة الرمادية بين الحرب والتفاوض، بين التهدئة والتصعيد، وبين الحليف والخصم. ولهذا تبدو رسائلها متناقضة، ليس فقط تجاه أعدائها، بل حتى تجاه حلفائها والوسطاء الذين اعتادوا التعامل معها بوصفها طرفًا يمكن ضبطه بالحوار.

تريد طهران أن تفاوض كل طرف على حدة، وأن تضغط على كل ساحة بمعزل عن الأخرى، وأن تحول الإقليم إلى ملفات صغيرة قابلة للبيع والشراء والمقايضة. لا تريد اتفاقًا شاملًا يضع سلوكها كله على الطاولة، ولا مواجهة واسعة توحد خصومها ضدها. لذلك تلجأ إلى تجزئة الاتفاقات وتجزئة الهجمات معًا: اتفاق هنا، تهديد هناك، تهدئة في ملف، وتصعيد في ملف آخر.

هذه ليست سياسة ارتباك، بل سياسة تفتيت. إيران تعرف أن الكتل الصلبة خطر عليها، وأن المواقف الموحدة تقلص قدرتها على المناورة. لذلك تعمل على تفكيك أي اصطفاف إقليمي أو دولي يمكن أن يتحول إلى جبهة واحدة. تحاول أن تفصل بين الخليج والغرب، وبين الملف النووي والملف الصاروخي، وبين أمن الملاحة وسلوك الجماعات المرتبطة بها، وبين حلفائها الإقليميين ووسطائها الدائمين.

المثال العماني شديد الدلالة. فمسقط كانت، لعقود، واحدة من أكثر العواصم قدرة على فتح قنوات خلفية مع طهران. تعاملت إيران مع عُمان كحليف إقليمي قديم، وكوسيط موثوق، وكنافذة هادئة في لحظات التوتر. لكن ذلك لم يمنعها من التعامل مع المصالح العمانية بوصفها جزءًا من مساحة الضغط عندما اقتضت الحاجة. فالممر البحري المؤقت الذي أعلنته سلطنة عُمان في مضيق هرمز، ضمن مسؤوليتها تجاه حرية الملاحة، لم يكن بالنسبة إلى طهران مجرد إجراء ملاحي، بل رسالة سياسية تمس قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة قوة.

هنا يظهر جوهر السلوك الإيراني: لا قداسة للوسيط إذا اصطدمت وساطته بأوراق الضغط. عُمان مهمة لطهران ما دامت ممرًا للحوار، لكنها تصبح أقل حصانة حين يتحول دورها إلى ضمانة للملاحة أو إلى بوابة لتقليص قدرة إيران على التحكم بالممرات البحرية. هكذا يتبدى الحليف القديم في عين طهران: صديق عند الحاجة إلى التفاوض، وساحة ضغط عند الحاجة إلى رفع الكلفة.

والأمر نفسه ينطبق على قطر. فالدوحة لعبت أدوارًا معروفة في الوساطة وفتح قنوات الاتصال، واحتضنت مسارات تفاوضية معقدة، وساهمت في لحظات كثيرة في تخفيف التوتر. ومع ذلك لم تسلم من ارتدادات القوة الإيرانية حين قررت طهران أن ترسل رسالة عسكرية إلى الولايات المتحدة من فوق أرض وسيطة. ضرب قاعدة العديد في قطر لم يكن مجرد استهداف لوجود أميركي، بل كان أيضًا كشفًا قاسيًا لحدود الحصانة التي تمنحها الوساطة لصاحبها.

تتعامل إيران مع الوسيط لا باعتباره شريكًا ثابتًا، بل باعتباره أداة مؤقتة داخل لعبة أكبر. فإذا خدم الوسيط حاجتها إلى الحوار، منحته لغة دبلوماسية ناعمة. وإذا احتاجت إلى التصعيد، لم تتردد في تحميله جزءًا من كلفة الرسالة. وهذا ما يجعل علاقتها بالوسطاء علاقة وظيفية لا استراتيجية؛ علاقة تستخدم الثقة ولا تبنيها، وتستثمر القنوات ولا تحمي أصحابها دائمًا.

في لبنان، حركت طهران ورقة حزب الله في الحرب الأخيرة بقدر محسوب. لم تذهب به إلى حرب مفتوحة، ولم تتركه خارج المعادلة. أبقته في مستوى يسمح بالضغط والإنهاك وإرباك الحسابات، دون أن يتحول إلى بوابة مواجهة كبرى تفقد إيران السيطرة على إيقاعها. حزب الله، في هذه اللحظة، لم يكن جيشًا للحسم، بل أداة لإبقاء الجبهة مشتعلة بالقدر الذي يخدم الرسالة الإيرانية ولا يحرق الورقة اللبنانية كلها.

لكن المساحة التي منحتها طهران لجماعة الحوثي بدت أوسع. فاليمن، بالنسبة إلى إيران، ليس مجرد ساحة نفوذ إضافية، بل منصة ضغط بحرية وسياسية في خاصرة الإقليم والعالم. ومن خلال الحوثيين، تستطيع طهران أن تلوح بباب المندب كما تلوح بهرمز: مضيقان في معادلة واحدة، أحدهما في الخليج والآخر في البحر الأحمر. وإذا بلغ التصعيد أقصاه، فإن الرسالة تصبح واضحة: لا أمن للطاقة ولا للتجارة الدولية إذا قررت إيران أن توسع دائرة النار.

لهذا لا ينبغي قراءة التصعيد الحوثي في البحر الأحمر كملف يمني صرف، ولا كحركة منفصلة عن الاستراتيجية الإيرانية الأشمل. الحوثي، في هذه المعادلة، ورقة ضغط ضد الإقليم والمجتمع الدولي معًا. يستخدم محليًا لتثبيت سلطة الأمر الواقع، وإقليميًا لابتزاز الجوار، ودوليًا للتأثير في حركة التجارة والملاحة. ومن هنا تأتي خطورته: فهو ليس مجرد جماعة مسلحة، بل أداة ضمن هندسة إيرانية أوسع لربط البحر الأحمر بالخليج، وباب المندب بمضيق هرمز، واليمن بملفات التفاوض الكبرى.

تبعث إيران رسائل متناقضة لأنها تريد أن يبقى الجميع في حالة ارتباك. تقول للوسيط إنها تحتاجه، ثم تذكره أن وظيفته لا تمنحه حصانة كاملة. تقول للحليف إنها تدعمه، لكنها لا تمنحه دائمًا قرار الحرب والسلم. تقول للخصم إنها مستعدة للتفاوض، لكنها ترفع في الوقت نفسه كلفة تجاهلها. وتقول للعالم إنها لا تريد الحرب، لكنها تحتفظ بكل أدوات إشعالها.

هذه السياسة تمنح طهران هامشًا واسعًا للمناورة، لكنها لا تمنحها ثقة حقيقية. فالوسيط الذي يتعرض للضغط يفقد جزءًا من قدرته على الوساطة. والحليف الذي يستخدم كورقة يستنزف قبل أن ينتصر. والخصم الذي يفاوض تحت التهديد لا ينسى أن الاتفاق قد يكون مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة أخرى. أما الإقليم، فيبقى معلقًا بين رسائل لا تكتمل، واتفاقات لا تصمد، وتصعيد لا يتحول إلى حرب شاملة لكنه لا يسمح بالسلام.

المشكلة أن كثيرًا من العواصم لا تزال تتعامل مع إيران بمنطق الملف المنفصل. ملف نووي وحده، وملاحة وحدها، واليمن وحده، ولبنان وحده، والحوثيون وحدهم، وهرمز وحده، وباب المندب وحده. بينما تفكر إيران بالعكس تمامًا: كل هذه الملفات متصلة، لكنها تقدمها للآخرين كقطع منفصلة كي تساوم على كل قطعة بسعر مختلف.

لذلك فإن أي سياسة جادة تجاه إيران يجب أن تبدأ من عكس ما تريده طهران. إيران تريد التجزئة، والمطلوب هو الربط. تريد صفقات منفردة، والمطلوب هو موقف متماسك. تريد أن تفصل بين الحوثي وهرمز، وبين حزب الله والنووي، وبين الوساطة والضغط، والمطلوب هو قراءة واحدة لسلوك واحد، وإن تعددت ساحاته وأدواته.

ليست قوة إيران في قدرتها على الهجوم فقط، بل في قدرتها على توزيع الهجوم. وليست خطورتها في امتلاك أوراق ضغط متعددة فحسب، بل في استخدامها بطريقة تمنع الآخرين من رؤية الخيط الذي يجمعها. من هنا تبدأ المشكلة، ومن هنا يجب أن يبدأ الرد: لا بقراءة كل رسالة إيرانية كما لو كانت حدثًا معزولًا، بل باعتبارها جزءًا من سياسة أوسع تقوم على تفتيت الخصوم، واختبار الحلفاء، واستنزاف الوسطاء، وتحويل الجغرافيا كلها إلى طاولة تفاوض مفتوحة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.