: آخر تحديث

أبْعدُ من التصفيق..!

2
3
2

بعد أن خاض المجتمع العربي خلال العقدين الماضيين تجارب متعددة لتقديم الشعر إلى الجمهور، من أمير الشعراء وشاعر المليون، وصولاً إلى المعلقة وغيرها من المبادرات الحديثة، ما زلت أتساءل هل كان الحضور للشعر ذاته، أم للوسائط التي حملته؟ هل كانت الجماهير تتبع القصيدة وهي تمضي نحو اكتشاف الإنسان والعالم، أم كانت تتبع الضوء الذي أحاط بها حتى بدا أحياناً وكأنه بطل المشهد الحقيقي؟

ليس في هذا التساؤل ما يدعو إلى الجحود تجاه تلك التجارب، فقد أدت دوراً مهماً في إعادة الشعر إلى دائرة الاهتمام العام بعد عقود من انكفائه داخل النخب الثقافية، غير أن السؤال الأعمق ظل معلقاً فوق كل تلك المنصات كيف يمكن أن نُقدّم الشعر دون أن نحوّله إلى مادة استهلاكية؟ وكيف يمكن أن نجعله قريباً من الناس دون أن نفقده حقه في الغموض والتأمل والحرية؟

لقد تغيّر العالم كثيراً خلال السنوات الأخيرة، لم تعد القصيدة تنتظر موعد بث أسبوعي أو صفحة ثقافية في صحيفة، حين باتت تتراقص على شاشة هاتف صغير، تتنقّل بين المنصات، وتُقتبس في المقاطع المرئية القصيرة، وتُلقى أمام ملايين المتابعين خلال ثوانٍ معدودة، وبينما كان الشعر قديماً يبحث عن قارئ، أصبح اليوم يبحث عن انتباه قارئ تحاصره آلاف الرسائل والصور والمقاطع في كل لحظة!

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف سؤالاً جديداً إلى أسئلة الشعر القديمة، فلم يعد السؤال اليوم كيف نكتب القصيدة؟ وإنما كيف نحافظ على روحها الإنسانية في زمن تستطيع فيه الآلة أن تنتج نصوصاً تشبه الشعر في لغتها وإيقاعها وصورها؟ والحقيقة أن الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في طريقة استخدامه، فالآلة يمكن أن تكون جسراً لا بديلاً.. يمكن أن تساعد في الوصول إلى القصيدة وفي شرحها وفي توثيقها، وفي تقديمها للأجيال الجديدة بوسائط أكثر جاذبية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجربة الإنسانية التي تمنح الشعر حياته وفرادته، فالشعر لم يكن يوماً مجرد كلمات موزونة أو صور بلاغية.. إنه ذلك الارتجاف الخفي الذي يسبق اللغة نفسها، الدهشة الأولى حين يلتقي الإنسان بالعالم، ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه التقنيات الحديثة للشعر هو أن تفسح له طريقاً أوسع نحو الناس، لا أن تملي عليه ما يقول أو كيف يقول أو لماذا يقول.. ربما لم تعد المشكلة اليوم في قلة المنابر، حين تكمن في كثرتها، ولم يعد التحدي أن نُسمع الناس الشعر، وإنما أن نُبقي الشعر شعراً وسط هذا الضجيج الهائل، وهنا تبدو الحاجة ملحّة إلى مشروعات ثقافية تستثمر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات خدمة لا أدوات وصاية؛ أدوات تكشف جمال القصيدة ولا تستبدل جمالها، وتقرّبها من المتلقي دون أن تصادر حريتها الفنية أو تجرّدها من أسرارها، فالشعر، منذ المعلقات الأولى وحتى أحدث الشاشات الذكية، لم يكن ابن وسيلته بقدر ما كان ابن روحه، تتغير المنابر وتتبدل التقنيات وتتطور أدوات العرض، لكن القصيدة الحقيقية تظل قادرة على النجاة من كل ذلك، لأنها ببساطة لا تسكن في الضوء الذي يحيط بها، حين تكون في كل العصور والأزمنة والأحداث هي ذلك النور الذي توقظه داخل الإنسان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد