: آخر تحديث

وربطنا على قلوبهم

3
3
3

ليلى أمين السيف

اتصلت بي صديقتي وما إن ظهرت على الشاشة حتى خفت أن ينقطع نفسها قبل أن ينقطع الاتصال! كانت تلهث وكأنها أنهت سباقا أولمبيا لا دوام عمل. ابتسمتُ وقلت لها:

يا ذكرى لا تصومي غدا. يكفينا أننا صمنا عاشوراء وقد خالفنا اليهود والنصارى كما جاءت السنة وليسامحنا الله إذ لا نستطيع إكمال الصيام يوم غد وأردفت مذكرة إياها أنت عندك دوام طويل وأطفال وهذا الحر لا يرحم وشمس الاسكندنافيين كريمة البقاء لا تكاد تغرب حتى تشرق.

ضحكت أو لعلها حاولت أن تغتصب ضحكة منهكة. فالإنسان عندما يصل إلى آخر طاقته تصبح الابتسامة نوعا من المقاومة.

أغلقت الهاتف لكن بقي سؤال يطاردني نحن هنا في أوروبا نشتكي من موجة حر استثنائية ويكفي أن تتعطل المكيفات هذا إن وجدت حتى تمتلئ وسائل التواصل بالشكوى وتصبح درجات الحرارة خبرا عاجلا. وأنا نفسي في يوم عاشوراء شعرت بخمول شديد وكأنني حملت الجبال على كتفي. يوم واحد من الصيام جعلني أبحث عن الظل وأعد الساعات حتى المغرب الذي لا يأتي في صيف دول الشمال.

ثم تذكرت أهلنا في بلادنا وتبخرت شكواي واستحيت من تذمري ولم يبقَ في القلب إلا سؤال واحد: كيف يحتملون كل هذا ثم يواصلون الحياة وكأن الصبر صار عادتهم؟

تذكرت أهلنا في اليمن وفي السودان أوفي قطاع غزة وفي الصومال وفي غيرها من البلاد التي نسيها العالم. يخرجون كل صباح يبحثون عن لقمة العيش ويعودون آخر النهار ليواجهوا انقطاع الكهرباء وشح الماء وحر الصيف أو برد الشتاء. لا تنتهي معاناة حتى تبدأ أخرى ومع ذلك يواصلون حياتهم بصبر يثير الدهشة.

وتذكرت تلك الأم التي لم تعد تسأل أبناءها: ماذا تشتهون اليوم؟ بل أصبحت تسأل: متى ستأتي الكهرباء؟ فإن جاءت ساعة أو ساعتين دخلت سباقا مع الزمن؛ تطبخ على عجل وتشحن الهاتف والحاسوب ان وجِد وتشغل الغسالة وتملأ ما استطاعت من الماء وهي تدعو في سرها ألا ينقطع التيار قبل أن تنتهي. حتى أبسط تفاصيل الحياة لم تعد تُدار برغبة الأسرة بل بجدول انقطاع الكهرباء.

وتذكرت ذلك الأب الذي يعود من عمله مثقلا بتعب النهار فيدخل بيته فلا يجد ماء باردا يروي عطشه ولا حتى مروحة تخفف عنه حر الصيف ولا كهرباء تنير غرفة أطفاله. ينظر إلى وجوههم الصغيرة فيراهم يطردون الحر بقطعة كرتون وكأن نسمة الهواء أصبحت رفاهية لا يملكونها. فيبتسم لهم حتى لا يرى أحد انكساره ثم يجلس بصمت لأنه لم يعد يملك ما يقدمه إلا الصبر.

وفي الشتاء ويا سلام على الشتاء فهناك لا يأتي الشتاء ومعه الشوكولاتة الساخنة والبطانيات الوثيرة كما في الإعلانات بل يأتي ومعه سؤال واحد: كيف سننجو من هذه الليلة؟ كيف سندفئ الأطفال؟ هل بقي قليل من الحطب؟ هل يكفي المازوت؟ أم أن البطانية ستؤدي اليوم وظيفة المدفأة؟

ثم أولئك الذين يعيشون في الخيام حيث تتحول الخيمة في الصيف إلى فرن وفي الشتاء إلى ثلاجة ومستنقع أما إذا هبت الريح أصبحت بيتا يسافر بأهله وهم بداخله. ومع ذلك يستيقظون ويذهبون إلى أعمالهم ويربون أبناءهم ويبتسمون ويقولون: الحمد لله.

يا الله أي قلوب هذه؟

أنا تعبت من صيام يومين في حر أوروبا وكأني مولودة في السويد وهم يصومون عن الكهرباء أعواما وعن الماء ساعات طويلة كل يوم وعن الوقود أشهرا وعن الراحة سنين.

نحن نفطر عند أذان المغرب. أما هم فلا يزال أذان الفرج يتأخر.

خرجت من هذه التجربة وأنا أشعر أن الله لم يرد أن يعلمني معنى العطش أو التعب بقدر ما أراد أن يعلمني معنى النعمة. فما أكثر ما نملك وما أقل ما نشكر وما أعظم ما يحتمله أهلنا. عندها أدركت أن الله لا يبتلي عباده ثم يتركهم بل يسكب في قلوبهم من الصبر بقدر ما يضع على أكتافهم من البلاء ولذلك يمضون قدما بينما نقف نحن مدهوشين من قدرتهم على الاحتمال.

وربما كان ابتلاؤهم امتحانا لهم لكنه في الوقت نفسه اختبار وتمحيص لنا. هم صبروا فماذا فعلنا نحن؟ هم لم يطرقوا أبوابنا يشكون ولم يجعلوا آلامهم وسيلة لاستعطاف الناس أما نحن فقد رأينا وسمعنا وعرفنا. فهل أدينا حق ما رأيناه؟

إن الله لم يرزقنا الأمن والراحة وسعة العيش لنكتفي بشكره بألسنتنا بل لنبحث عمن ضاقت بهم الحياة فنواسيهم ونعينهم ونخفف عنهم ما استطعنا. فليس من الكرامة أن ننتظر المحتاج حتى يمد يده ولا أن نجعله يتوسل حقا جعله الله له في أموالنا.

يقول الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ).

اللهم كما رزقتنا الأمن والراحة فلا تجعل نعمك تحجبنا عمن حُرموا منها وأرشدنا إلى شكرها كما تحب وترضى شكرا يدفعنا إلى أن نبحث عن المحتاج قبل أن يبحث عنا وأن نواسيه قبل أن يضطر إلى السؤال وأن نؤدي إليه ما جعلته له من حق لا منَّة منا ولا تفضلا وإنما طاعة لك وامتثالا لأمرك.

** **

- كاتبة يمنية مقيمة في السويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد