سجّلت سفيرة لبنان لدى بريطانيا، التي تعيش كما سائر سفراء دول العالم لدى بريطانيا تداعيات استقالة رئيس الحكومة ستارمر، واستعداد المواطنين، بمن فيهم أمثالنا حاملو الجنسية البريطانية منذ زمن الطيّبة الذكر الملكة إليزابيث، والمثابرون بكل أفراد العائلة على الاقتراع بالتفاضل بين "حزب العمال" و"حزب المحافظين"، لفتة تكريم ولّدت الأثر العميق، رغم عفويتها، في نفْس كل لبناني، وتتمثّل في احتفالية أقامتها لمناسبة مرور سبعين عاماً على تشغيل شركة "طيران الشرق الأوسط – ميدل إيست" خط بيروت- لندن/هيثرو.
في كلمة ألقتها لهذه المناسبة، أشارت إلى أنه "في الوقت الذي يواصل فيه لبنان مواجهة التحديات والاعتداءات الإسرائيلية اليومية، فإن مناسبات كهذه تعكس قوة الشعب اللبناني وإصراره على الحفاظ على وحدته وإنجازاته الوطنية..."، مضيئة على دور الشركة "كسفير للبنان لدى دول العالم..."، ومع التذكير بأن لها تجربة شخصية كمستشارة قانونية سابقة للشركة التي وصلت، على حد توصيفها، إلى "أنها واصلت ربْط لبنان بالعالم على مدى عقود من التحديات والتغيرات، وأصبحت رمزاً لقدرة لبنان على الصمود والتكيف والمضي قُدماً...". وهي في ما قالته تعكس مشاعر كل اللبنانيين بتنوع مذهبياتهم إزاء شركتهم ومطارهم، الذي بات من أجل استعادة مهابته عدم إقحامه بالصور والأعلام وخلاف ذلك مما ليس مألوفاً في سائر دول العالم.
في الوقت الذي تحدُث فيه هذه الاحتفالية الوطنية كلاماً ومشاعر، تحدُث في واشنطن احتفالية تحمل في طياتها مشاعر قاسية على الوجدان الوطني، وفي الوقت نفسه بعض التوقع بأن الحال التي نعيشها في لبنان، وبلغت حد الاستهانة بالوطن وناسه، قد تصل إلى مشارف المخاطر من حدوث ما لا يتمنى محب للبنان حدوثه.
تتمثّل الاحتفالية بمشهد سيبقى حاضراً في الذاكرة الوطنية اللبنانية لزمن ربما يطول، وهو توقيع السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة، ابنة بعقلين، التي سبق قبل تعيينها سفيرة لدى الولايات المتحدة أن شغلت مناصب في شركات اقتصادية أميركية، وهي بهذا تكون أكثر إحاطة بمقومات السياسة الأميركية، فضلاً عن علاقات وثيقة بكلا الحزبين المتصارعين في الولايات المتحدة.
كانت لحظة توقيع السفيرة ندى حمادة معوض، إلى جانب التوقيع الإسرائيلي على اتفاقية، نيابة عن لبنان الرئيسين جوزاف عون ونوّاف سلام، وأطياف حزبية ذات هوى لمثل هذه الاتفاقية وتصويرها بمثابة إنجاز، وفي تصوّر قادة بعض الأحزاب أن اتفاقية يتم إبرامها مع إسرائيل تحقق للبنان التخلص من الوطأة الإيرانية سلاحاً ومذهبية وإحلال الاستقرار. وهو افتراض يحتاج إلى التبصر بعض الشيء، كون الذي حصلت عليه إسرائيل من لبنان كان وفيراً، فيما الذي يناله لبنان دون الذي هو حق مشروع له بكثير. وإذا أجيز الافتراض، فإن الصورة للمتحادثين اللبناني والإسرائيلي، يتوسطهما وزير الخارجية الأميركية، لن تكون من تلك الصور التي يتباهى رموز اتفاقيات بعد محادثات بتعليقها في مكتب أو منزل الذي وضع توقيعه على ما سُمِّي الإطار، وهي هنا السفيرة ندى حمادة معوض.
ولولا التمهيد الرسمي الممنهَج، والذي يكابد الممهِّدون ضغوطاً في سبيل الصيغة التي انتهت إليها محادثات واشنطن، لما كان للسفيرة ندى أن تضع توقيعها من دون ارتجافة، ذلك أن تاريخ الأجيال الآتية سيكون كثير التأمل في الذي فعله سفراء مدعَّمون برئاسات ومرجعيات دينية، وستكون بعد التأمل المشار إليه أحكام معنوية أو تقديرات استحقاق.
وبصرف النظر عما إذا كان للسفيرة رأي لا ينسجم مع التوجه العام، فإن ما كان يصدر من تصريحات رئاسية ومن مرجعيات دينية وقيادات حزبية داعمة دون تردد لتوقيع الاتفاق الذي تم توقيعه مع إسرائيل، يجعلها تشعر بأن المسألة مجرد تأدية واجب يفرض عليها منصبها الدبلوماسي، وعلى قاعدة "مُجبَر أخاك لا بطل"، تأديته حتى التوقيع الذي حدَث.
ونتذكر عبارات للرئيس جوزاف عون بدت كما لو أنها ترويض للإقدام على توقيع الاتفاق بعدما حدث بالتوالي استشهاد ضباط وجنود، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: "واجبي القيام بالمستحيل والأقل كلفة لوقف الحرب"، و"لا خيار آخر غير التفاوض، ولا يجب اعتباره استسلاماً أو هزيمة..."، و"إن التفاوض تقوم به الدولة اللبنانية وهي سيدة قرارها، وما من أحد يأخذ مكانها. لا أحد يربطنا بأي دولة أخرى، وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا..."، و"لقد أدركتُ أن الحرب لا تؤدي إلى أي نتيجة سوى الخراب والدماء، وصحيح أن طريق السلام والتفاوض من أجل بلوغ السلام قد تبدو طويلة، إنما أليس الأفضل أن تكون طويلة ومن دون خسائر على لبنان وشعبه، من أن تكون قصيرة وكِلفتها قاسية كما هي حال الحرب..."، و"لا خوف على السِّلم الأهلي، ومن يهدد به أصبح ضعيفاً، وهو يبغي إخافة الآخر المختلف عنه ليبقى موجوداً..."، و"المفاوضات لا تعني التلازم ولا الاستسلام، والدبلوماسية هي حرب من دون دماء، فيما الحرب هي إهراق دماء ودمار وخراب...".
وما هو جدير بالملاحظة أن البطريرك الراعي، من جانبه، كان السند للرئيس عون، وهذا خفف من وطأة بعض السياسيين والحزبيين الضاغطين عليه لكي يسرع إلى الموافقة على أن يتم إصدار التوجيه بتوقيع الاتفاقية، وبما يرضي النفس الترمبية الأمّارة بكسْب الورقة اللبنانية الأكثر تعقيداً بين سائر أوراق مواجهته التي لا ينهيها، والتي تدفع دول المنطقة الثمن الباهظ لهذه المواجهة المتقلّبة بين نعم للحل ولا لتنفيذه.
ويحضرنا في معرض دعم البطريرك الراعي للتوجه المحسوم من جانب الرئيس عون على إتمام عملية التوقيع على نحو ما حدَث في واشنطن قول البطريرك بهدف شد الأزْر: "نصلي لكي تنجح المفاوضات والمباحثات الجارية، ولكي يستلهم كل من له دور في الشأن اللبناني في الداخل والخارج روح الحكمة والمسؤولية، وبأمن لبنان يستقر الآخرون وبسلامته يطمئن الكثيرون...".
من الآن وحتى يلبي الرئيس جوزاف عون دعوة الرئيس ترمب إليه للقائه، الذي نأمل أن يتم في البيت الأبيض وليس في مكان يختاره الرئيس الأميركي، نأمل أيضاً من باب إبداء حُسْن النية ضغطاً من الرئيس ترمب على بنيامينه لكي يوقف جولات مسيّراته في السماء اللبنانية... إلا إذا كان الاتفاق الذي تم توقيعه يوم الجمعة 26/ 6/ 2026 يحلل لإسرائيل مواصلة جولات طائراتها في سماء الوطن اللبناني، وإزعاج شعب ضاق مرّ المعاناة من عدم وضْع الإدارة الترمبية حداً للعدوان الإسرائيلي على وطنه لبنان.
كان الله في العون.

