: آخر تحديث

سياسة الانتظار... عندما تُدار الحروب بنصوص آخر الزمان

3
4
4

في عالمٍ يظن أنه بلغ ذروة العقلانية، لا تزال السياسة الدولية تُدار بأصواتٍ قادمة من بطون النصوص القديمة، حيث يتحول "الخلاص" من مفهوم روحي إلى استراتيجية عسكرية فوق طاولة غرف العمليات. إننا أمام مشهد سريالي تتشابك فيه المصالح الجيوسياسية بنبوءات "آخر الزمان"، مما جعل الصراع في الشرق الأوسط يبدو وكأنه استعادة لمعارك ميثولوجية كبرى يرتدي فيها القادة المعاصرون عباءات الأنبياء والمخلصين.

تعتمد القيادة الإيرانية في جوهر مشروعها السياسي على عقيدة "التمهيد"، حيث يُقنع النظام أتباعه بأن العالم يجب أن يغرق في لجة الظلم والجور كشرط مسبق وحتمي لظهور الإمام المهدي. هنا، لا تُقاس الحروب بمكاسبها المادية فحسب، بل بقدرتها على تسريع عقارب الساعة نحو اللحظة الموعودة. يتم استغلال المعاناة والحصار والحروب الإقليمية وتصويرها كعلامات إلهية تُثبت صحة المسار، مما يجعل الجندي يشعر بأنه ليس مجرد مقاتل في صراع حدود، بل هو حلقة في سلسلة كونية تنتهي بسيادة العدل المطلق بعد دمار شامل يطهر الأرض.

على الجانب الآخر، تبرز في إسرائيل تيارات دينية صهيونية ترى في السيطرة الكاملة على "أرض إسرائيل" وتحقيق السيادة اليهودية المطلقة واجبًا مقدسًا يسبق ظهور المسيح "الماشيح". يتم إقناع المجتمع بأن أي تراجع أو تفاوض هو تعطيل للمشيئة الإلهية، وأن الصدام الحالي هو "مخاض الخلاص" الذي سيؤدي في النهاية إلى وقف الحروب وتحقيق السلام تحت قيادة ملك إسرائيل المنتظر. هذه العقيدة تلغي الحلول السياسية التقليدية وتستبدلها بحتمية دينية تجعل من الاستيطان والحروب التوسعية عملًا تعبديًّا لا يقبل النقاش المنطقي.

وفي العمق الأميركي، تشكل "المسيحية الصهيونية" لدى الإنجيليين ظهيرًا سياسيًّا ضاربًا يؤمن بأن دعم إسرائيل هو معبر إجباري لعودة المسيح الثانية. هؤلاء يروجون لفكرة "هرمجدون" كمعركة كونية فاصلة بين قوى الخير والشر، ويقنعون الملايين بأن الانحياز المطلق لجانب إسرائيل في حروبها هو استجابة لأوامر إلهية تضمن لهم النجاة في نهاية الزمان. بالنسبة إلى هذه الكتلة، فإن تحقيق السلام الدائم في المنطقة قد يُنظر إليه أحيانًا كعائق أمام اكتمال النبوءة، مما يجعلهم يدفعون باتجاه التصعيد باعتباره المسار الوحيد لتحقيق الخلاص.

المصيبة الكبرى تكمن في قدرة هذه القوى على تطويع التاريخ وتوظيفه لخدمة أهدافها السياسية، حيث يتم إقناع الشعوب بصحة هذا المسار المدمر عبر "شيطنة الآخر" وتصويره في صورة الدجال أو العدو التاريخي الذي يجب محوه. إنهم يحولون الصراع من خلاف على موارد أو حدود إلى صدام حتمي بين إرادات إلهية، مما يسحب البساط من تحت أقدام العقلانية الدبلوماسية ويضع مصير البشرية في يد قادة يعتقدون أنهم مأمورون بتنفيذ مشيئة السماء عبر إشعال الأرض. هكذا تظل العقيدة في خدمة السياسة، ويظل الأتباع وقودًا لمعارك يُقال لهم إنها "مكتوبة"، بينما هي في الحقيقة نتاج طموحات بشرية مغلفة برداء القداسة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.