: آخر تحديث

أزمة وراثة الخامنئي... نظام على حافة الانهيار

6
6
6

منذ اللحظة التي أُعلن فيها عن مقتل "الولي الفقيه" علي خامنئي، بدا واضحاً أن النظام الإيراني فقد عموده الفقري ورابط توازنه الداخلي. فالرجل الذي كان يمسك بخيوط السلطة السياسية والعسكرية والدينية لعقود طويلة، رحل تاركاً وراءه فراغاً لا يُملأ، وخلافات متفجرة بين أجنحة الحكم. باتت طهران اليوم أمام مأزق مزدوج: كيف تحافظ على تماسكها الداخلي، وكيف تجد بديلاً يملك شرعيةً ولو شكلية لملء موقع "الولي الفقيه"؟

الواقع أن "بقايا النظام" لا تملك ترف الانتظار. فالمؤسسات المتهالكة مضطرة لاختيار خليفة مهما كانت هشاشته، حفاظاً على ما تبقى من صورة الوحدة. في كواليس مجلس الخبراء يُتداول الحديث عن أسماء عدة، غير أن اسم مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، يبدو الخيار الأقرب لأركان الحرس الثوري وأجهزة الأمن. فهو صاحب النفوذ الفعلي في ملفات المال والمخابرات، ويتمتع بالرمزية الاسمية لعائلة خامنئي. لكن حتى هذا الخيار لا يحمل ضمانة لاستقرار النظام، إذ يفتقد إلى الكاريزما والشرعية الثورية التي احتكرها والده طيلة عقود.

غير أن أزمة الوراثة هذه تتجاوز البعد الشخصي. فالنظام الذي كان قائماً على مركزية "الولي" يعيش اليوم تصدعات عميقة. فالمجتمع الإيراني، الذي شهد انتفاضات متتابعة كان آخرها في كانون الثاني (يناير) 2026، بات أكثر جرأة في تحدي السلطة الدينية. كما أن استمرار الحرب الخارجية وتدهور البنية الاقتصادية جعلا الدولة في حالة إنهاك. أضف إلى ذلك حالة التشرذم والانقسام الحادّة المتفشية بين صفوف قوات الحرس، والتناحرات بين مختلف تيارات رجال الدين، ما جعل النظام يفتقد إلى من يستطيع ضبط كل الخيوط كما فعل خامنئي.

في هذا السياق، يتفق كثير من المراقبين الإيرانيين على أن أي خليفة قادم لن يكون قادراً على إعادة إنتاج منظومة السيطرة السابقة. فلا يمتلك الوقت لتصفية خصومه، ولا المجتمع يمنحه فسحة المناورة التي أُعطيت لوالده، ولا الشارع الإيراني مستعد لمنح النظام فرصةً جديدة. أما الأجنحة المتصارعة داخل السلطة، فلن تتنازل عن مصالحها بسهولة، خصوصاً مع تزايد الحديث عن انهيار اقتصادي واحتقان اجتماعي ينذر بانفجار جديد، سيما بعد رحيل خامنئي.

ومن زاوية أخرى، تبدو احتمالات النجاة ضئيلة حتى لو تم تعيين خليفة شكلي. فالنظام الذي بات محاصَراً في الداخل ومكروهاً في المحيط الإقليمي والمحيط الدولي، يواجه تهديده الحقيقي ليس في القصف الخارجي، بل في حركة المقاومة الداخلية التي تمسك بخيوط المعركة الميدانية. فالنظام نفسه يعترف، في تقارير مسرّبة، أن الخطر الحقيقي يأتي من أي انتفاضة منظّمة قادرة على شل أجهزة الأمن، لا من قنابل تسقط من السماء.

السيناريو الأرجح إذن، هو انزلاق النظام نحو انهيار تدريجي يتسارع مع احتدام الصراع الداخلي وصعود العمل المسلح المنظّم في المدن الكبرى. فالمعارضة الميدانية، الموزعة بين وحدات شورشية وشبكات جيش التحرير، تُدرك أن لحظة الحسم لن تُصنع بالشعارات ولا بالتدخلات الخارجية، بل عبر فرض معادلة جديدة في الشارع الإيراني. ومع غياب القيادة المركزية القادرة على استيعاب هذه المتغيرات، يبدو أن مرحلة ما بعد الخامنئي ستكون بداية العد العكسي لنهاية النظام ذاته.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.