كان الفجر يوشك أن يولد، وكانت الساعة تقترب من الرابعة صباحاً. في تلك اللحظات الهادئة التي يسبق فيها الضوءُ انبثاقَ النهار، كنت أستعد لصلاة الفجر. كان الصمت يلف المكان بثقلٍ غريب، صمتٌ يشبه الانتظار الطويل، أو ربما يشبه الأسئلة التي لا تجد لها جواباً. فجأة قطع ذلك السكون صوتٌ خشن يتردد في الممرات الضيقة:
"سارة، سارة، زيارة."
لم أستوعب الكلمة في البداية. زيارة؟ في هذا الوقت؟ من يمكن أن يزورني قبل الفجر؟ لا أزال إلى الآن أسمع في ذاكرتي صوت الحديد وهو يحتك ببعضه، وصوت القفل حين فُتح، كأنه صدى لحظة ستبقى محفورة في روحي ما حييت.
فتح الشرطي باب الزنزانة، ووقفت مترددة للحظة. لم أكن أعرف من هو الزائر الليلي الذي جاء في هذا الوقت غير المألوف. خرجت ببطء، وكأنني أخشى أن يتبدد المشهد إن أسرعت الخطى. وما إن خطوت خارج الباب حتى رأيتها.
كانت شقيقتي وجد.
وقفت هناك، ووجهها غارق في الدموع، تبكي بلا توقف، كأن كل الحزن الذي في العالم قد اجتمع في عينيها. لم أصدق ما أرى. نظرت إلى الشرطي بفرحة طفولية ساذجة، وقلت له بسرعة، وكأنني أريد أن أثبت الحقيقة قبل أن تختفي:
"هذه شقيقتي".
اقتربنا من بعضنا، ولم يكن بيننا كلام في البداية، فقط دموع تتبادل الطريق بين أعيننا. كانت تمسك يدي بقوة، وكأنها تخشى أن أفلت منها مرة أخرى. وبين شهقاتها قالت كلماتٍ لن أنساها أبداً:
"ستخرجين، حتى لو وضعوني مكانك".
كانت لحظة ثقيلة، لحظة تختلط فيها المشاعر إلى حد لا يمكن وصفه بدقة. كان في قلبي ألم كبير، لكن في داخله أيضاً دفء لا يوصف. شعرت بسعادة خفية لأن عائلتي لم تنسني، وما زلت حاضرة في قلوبهم، لأن هناك من جاء قبل الفجر ليقف إلى جانبي في لحظة ضعفي.
لكن اللحظات الجميلة في مثل تلك الأماكن تكون قصيرة، قصيرة إلى درجة موجعة.
لم تمض سوى دقائق قليلة، ربما 5 دقائق فقط، حتى جاء صوت الشرطي حاسماً:
"انتهت الزيارة، انتهت".
لم نكن قد جلسنا حتى. كنا ما نزال واقفتين، نتمسك ببعضنا بصمت، وكأننا نحاول سرقة ثانية إضافية من الزمن. 5 دقائق فقط، لكنها بقيت معي حتى اليوم. بقيت في روحي، وفي عقلي، وفي قلبي، كأنها عمرٌ كامل لا يُنسى.
ظل سؤال واحد يلاحقني بعد تلك اللحظة:
كيف خطرت لها فكرة أن تزورني فجراً؟
لاحقاً فقط عرفت القصة كاملة.
حين وصلها الخبر، لم تنتظر، لم تتردد، ولم تسمح للخوف أن يبطئها. جاءت مباشرة من الرياض، فقط لتكون قريبة مني، فقط لتقف إلى جانبي في تلك اللحظة التي كنت فيها أكثر احتياجاً لمن يمد لي يداً.
في صباح اليوم التالي، أخبرتني بما حدث. قالت إنها في الصباح الباكر ذهبت إلى المخبز واشترت بعض المعجنات، ربما كانت تظن أنني لم آكل، أو أنها أرادت أن تفعل أي شيء بسيط تشعر من خلاله أنها تعتني بي. ثم ذهبت إلى مركز الشرطة لتزورني.
لكن الشرطي قال لها جملة واحدة فقط:
"نُقلت إلى السجن قبل 5 دقائق".
5 دقائق.
لم تبكِ. لم تقل شيئاً. قالت إن لسانها انعقد فجأة، وكأن الكلمات هربت منها جميعاً. شعرت أن العالم كله بدأ يدور من حولها. حتى إنها بقيت في السيارة عدة دقائق، تحاول فقط أن تستوعب ما حدث، وتحاول أن تجمع نفسها قبل أن تتمكن من العودة إلى البيت.
والمفارقة أن مركز الشرطة لم يكن بعيداً. لم يكن يبعد سوى 9 دقائق فقط عن المنزل.
9 دقائق، لكنها بدت كأنها مسافة بين عالمين.
وبعيداً عن الحزن، لا بد أن أذكر موقفاً طريفاً حدث في تلك الأيام الصعبة. فقد جاء ابن شقيقتي إلى المطار ليستلم حقائبي. كان شاباً صادق العاطفة، لا يعرف كيف يخفي مشاعره. وبينما كان يجر العربة التي تحمل الحقائب، صرخ بصوت عالٍ وسط المطار:
"خالتي سارة، سألحقك إلى الشرطة!".
كان يصرخ وكأنه في سباق، وكأن اللحاق بي مسألة مسافة فقط.
وفي مركز الشرطة، حاولت عائلتي بكل ما تستطيع أن تخفف عني ولو قليلاً. طلبوا من الضابط أن يسمح لي بأن أنام تلك الليلة فقط في البيت. تحدث الضابط مع رئيسه عبر الهاتف، وكنت أراقب ملامحه وهو يستمع. من تعابير وجهه فهمت الإجابة قبل أن ينطق بها.
كان الرفض قاطعاً.
رفضاً لا يقبل النقاش.
لم أجادل، ولم أطلب الكثير. كل ما فعلته أنني طلبت من حمودي، بطل القصة كما أحب أن أسميه، أن يحضر لي أدويتي. ثم طلب الضابط منه أيضاً أن يأتي بمرتبة كي لا أنام على الأرض.
لكن الموقف لم يخلُ من مفارقة مضحكة.
فقد نظر حمودي إلى الضابط بجدية وقال له:
"طيب، خليني أنام بدالها".
ضحك الضابط بصوت عالٍ، وقال مازحاً:
"وين أحنا؟ في المكسيك؟".
لم أكن أعرف كل هذه التفاصيل حينها. لم أسمع هذه الحوارات إلا بعد أن خرجت واستعدت حريتي.
لكن ما عرفته يقيناً هو أن عائلتي لم تتوقف لحظة واحدة عن البحث عن أي منفذ، أي ثغرة، أي "خرم إبرة" يمكن أن نخرجني من تلك المحنة. تم توكيل 3 محامين للدفاع عني، وكانوا يعملون بلا توقف، كما لو أن القضية قضية حياة كاملة، لا مجرد أوراق في ملف.
والأغرب من كل ذلك أن ما حدث لي كله كان بسبب نكتة.
نكتة كتبتها عام 2011.
لم أقتل أحداً.
لم أسرق.
لم أؤذِ إنساناً.
لم أفعل شيئاً يسيء إلى وطني الذي أحببته أكثر من أي شيء آخر. ومقالاتي تشهد على ذلك.
أحياناً كنت أسأل نفسي: ماذا لو كنت مهربة مخدرات؟ ماذا لو اعتديت على شخص بالضرب دون وجه حق؟ ماذا لو ارتكبت جريمة حقيقية؟
هل كان كل هذا سيحدث أيضاً؟
أسئلة كثيرة مرت في ذهني، لكنني في النهاية كنت أعود إلى حقيقة واحدة لا تتغير.
بالرغم من كل ما حدث، بالرغم من الألم، وبالرغم من الظلم، وبالرغم من تلك الليالي الثقيلة، يبقى وطني، وطني.
الانتماء ليس ورقة تُسحب، ولا شعوراً يختفي عند أول جرح.
الوطن يسكن في القلب، حتى حين يؤلمنا.
ولهذا، مهما حدث، ومهما قيل، ومهما الطريق،سيبقى وطني، بالنسبة إليّ، وطناً.

