: آخر تحديث

بين التاريخ والأسطورة: كيف وُلد اليوم العالمي للمرأة؟

4
5
4

في سبعينيات القرن العشرين لم يكن التشكيك في الرواية الشائعة حول أصل اليوم العالمي للمرأة أمراً سهلاً. كان ذلك الزمن زمن يقين نضالي، حيث بدت الحكاية التي تُروى كل عام في الثامن من آذار (مارس) وكأنها حقيقة تاريخية راسخة. فقد تبنّت الحركات النسوية الأميركية تقليد الاحتفال بهذا اليوم، بينما كانت مجموعات حركة تحرير المرأة في فرنسا تعمل على إحيائه من جديد، وإن كانت تنتقد في الوقت ذاته تحوله في البلدان الاشتراكية إلى احتفال أقرب إلى عيد الأم منه إلى مناسبة نضالية.

لكن بالرغم من اختلاف السياقات السياسية، فقد بدا أن هناك اتفاقاً شبه كامل حول أصل هذه المناسبة. إذ جرى تكريم ذكرى عاملات الخياطة في نيويورك في القرن التاسع عشر، اللواتي قيل إنهن خرجن في مظاهرة يوم 8 آذار (مارس) 1857 مطالبات بتقليل ساعات العمل، وزيادة الأجور، وتحقيق المساواة في الأجر، إضافة إلى توفير دور حضانة لأطفالهن وصون كرامتهن الإنسانية.

وقد أعادت الصحافة النسوية المناضلة في تلك الفترة سرد القصة نفسها. فمن مجلة Antoinette المرتبطة بالاتحاد العام للعمل، إلى مجلة Pétroleuses التابعة للرابطة الشيوعية الثورية، وصولاً إلى مجلة Quotidien des Femmes المرتبطة بتيار "التحليل النفسي والسياسة"، كانت الرواية تتكرر بالصيغة نفسها تقريباً: نساء عاملات خرجن إلى الشارع مطالبات بحقوقهن، فواجهتهن شرطة نيويورك بالعنف، بل أطلقت النار على المتظاهرات وقتلت بعضهن.

غير أن هذه الرواية، بالرغم من انتشارها الواسع، لم تكن ثابتة في تفاصيلها. ففي بعض النسخ كانت المظاهرة تجري تحت شمس ربيعية دافئة، وفي روايات أخرى كانت تدور في برد شتوي قارس. وأحياناً تُذكر عاملات النسيج، وأحياناً الخياطات أو عاملات صناعة القمصان. وفي بعض الروايات يُركَّز على القمع والعنف، بينما تركز روايات أخرى على القسم الذي أدته النساء بالعودة إلى الشارع كل عام. ومع ذلك ظل عنصران ثابتين في كل الحكايات: التاريخ، 8 آذار (مارس) 1857، والمكان، نيويورك.

هذه الثوابت جعلت القصة تبدو وكأنها حدث مؤسس لا يقبل الشك. لكن البحث التاريخي، حين بدأ بالفعل، كشف مفاجأة غير متوقعة.

في آذار (مارس) 1977 صدر العدد الأول من مجلة Histoires d’Elles، وهي مجلة نسوية فرنسية اهتمت بإعادة كتابة تاريخ النساء. وقد رأت بعض الباحثات أن الفرصة سانحة للتحقيق في أصل اليوم العالمي للمرأة، في محاولة لاستعادة التاريخ الحقيقي للحركة النسوية.

لكن النتيجة كانت مدهشة: لم يُعثر على أي أثر لمظاهرة وقعت في 8 آذار (مارس) 1857 في نيويورك.

فلا كتب تاريخ النسوية الأميركية ذكرت هذا الحدث، ولا تاريخ الحركة العمالية أشار إليه، ولا حتى الصحف التي صدرت في ذلك الوقت تضمنت أي خبر عنه. بل إن التدقيق في التقويم كشف أمراً طريفاً: فقد كان 8 آذار (مارس) 1857 يوم أحد، وهو يوم لا يتوافق عادة مع تنظيم مظاهرات عمالية كبيرة في ذلك العصر.

وهكذا بدأ الشك يتسلل إلى الرواية التي بدت في السابق يقينية. أما الحدث التاريخي المؤكد فهو أن فكرة الاحتفال بيوم للمرأة ظهرت عام 1910 خلال المؤتمر الدولي الثاني للنساء الاشتراكيات في كوبنهاغن. وهناك اقترحت الناشطة الاشتراكية الألمانية كلارا زاتكن تنظيم يوم دولي للمرأة يهدف إلى تعبئة النساء سياسياً، خصوصاً حول مطلب حق المرأة في التصويت.

لم يكن الهدف مجرد الاحتفال، بل إدماج قضية النساء ضمن مشروع الحركة الاشتراكية والعمالية. فالمسألة النسوية، في هذا التصور، لم تكن قضية منفصلة بل جزءاً من الصراع الطبقي الأوسع.

وهنا يمكن استحضار قول الفيلسوف كارل ماركس: "تاريخ كل المجتمعات حتى الآن هو تاريخ صراع الطبقات". في ضوء هذا التصور، أصبح نضال النساء العاملات جزءاً من هذا الصراع التاريخي.

في البداية لم يشكك الباحثون في الحدث المزعوم نفسه، بل تساءلوا عن سبب اختيار هذا الحدث تحديداً ليكون رمزاً عالمياً لنضال النساء.

فإحياء ذكرى عاملات خرجن للمطالبة بتحسين ظروف العمل يعني وضع الصراع الطبقي في مركز التاريخ النسوي، وإعطاء الأولوية لنضال النساء العاملات على حساب أشكال أخرى من النضال النسوي، مثل: النضال من أجل الحقوق المدنية والسياسية، المطالبة بحق التعليم، فتح المهن المتخصصة أمام النساء، الدفاع عن حق النساء في العمل حتى عندما كان بعض العمال الرجال يعارضون ذلك.

كانت كلارا زيتكين تدرك هذه التعقيدات جيداً. فقد تبنت استراتيجية مزدوجة: من جهة كانت تحاول إقناع قادة الحركة الاشتراكية بأهمية تبني مطالب النساء، ومن جهة أخرى كانت تسعى إلى مواجهة الحركات النسوية المستقلة التي كانت تنشط خارج الإطار الاشتراكي.

وهذا التوتر بين النسوية المستقلة والحركة العمالية يعكس ما وصفته الفيلسوفة سيمون دي بوفوار بقولها الشهير: "لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك". فهو تذكير بأن الهوية النسوية ليست مجرد معطى بيولوجي، بل بناء اجتماعي وسياسي يتشكل داخل علاقات القوة في المجتمع.

بعد مؤتمر كوبنهاغن بدأت فكرة يوم المرأة تنتشر في عدة بلدان. فقد نظمت اجتماعات نسوية اشتراكية في تواريخ مختلفة: 26 شباط (فبراير) 1911 في الولايات المتحدة، 19 آذار (مارس) في ألمانيا والنمسا، 1 أيار (مايو) في السويد.

أما في روسيا القيصرية فقد احتُفل لأول مرة بيوم العاملات في 2 آذار (مارس) 1913، ثم في 8 آذار (مارس) 1914.

لكن الحدث الأهم وقع عام 1917 عندما خرجت النساء الروسيات إلى الشوارع احتجاجاً على الحرب والجوع. وقد وصفت المناضلة البلشفية ألكساندرا كولونتاي هذه اللحظة بقولها إن النساء "أشعلن شرارة الثورة". كانت تلك المظاهرات بداية ما سيعرف لاحقاً بـ "ثورة فبراير" التي أطاحت بالنظام القيصري.

ومنذ عام 1921 أصبح 8 آذار (مارس) التاريخ الرسمي للاحتفال بيوم المرأة في الاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية الدولية.

حتى منتصف القرن العشرين لم تكن الصحافة الشيوعية تربط يوم المرأة بأي حدث محدد في القرن التاسع عشر، بل كانت تشير إلى جذوره في الحركة الاشتراكية وفي التجربة السوفيتية.

لكن عام 1955 ظهرت في الصحف الشيوعية قصة جديدة: مظاهرة عاملات الملابس في نيويورك عام 1857. ومنذ ذلك الحين بدأت القصة تتكرر كل عام، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية.

وقد اقترح الباحثون عدة تفسيرات لظهور هذه الرواية في ذلك الوقت. ففي سياق الحرب الباردة ربما كان من المفيد إعطاء المناسبة جذوراً أميركية "شعبية"، بدلاً من ربطها مباشرة بالتاريخ السوفيتي. كما أن هذا الأصل الرمزي القديم منح الاحتفال عمقاً تاريخياً أكبر.

وهنا يمكن استحضار قول الفيلسوف رونالد بارتيز: "الأسطورة لا تخفي الواقع، بل تحوله". فالقصة، حتى لو لم تكن دقيقة تاريخياً، أصبحت تؤدي وظيفة رمزية قوية.

ومهما يكن أصل هذه الرواية، فقد انتشرت بسرعة مذهلة، وربما لأن المجتمعات تحتاج دائماً إلى أساطير تأسيسية تمنح نضالاتها معنى تاريخياً.

فالأسطورة ليست مجرد كذبة تاريخية، بل أداة رمزية تمنح الأحداث معنى. كما قال الفيلسوف بول ريكور: "الذاكرة الجماعية لا تحفظ الماضي كما كان، بل كما يحتاج الحاضر أن يتذكره". بهذا المعنى أصبح 8 آذار (مارس) أكثر من مجرد ذكرى تاريخية. لقد تحول إلى: مناسبة تعلن فيها الحكومات سياسات تتعلق بالنساء، فرصة إعلامية للحديث عن أوضاع النساء في العالم، رمز عالمي لنضال النساء من أجل الحرية والمساواة.

وقد اكتسب هذا اليوم بعداً دولياً أكبر عندما تبنته الأمم المتحدة رسمياً باعتباره اليوم العالمي للمرأة.

وبين الحقيقة التاريخية والذاكرة الرمزية يبقى السؤال الفلسفي قائماً: هل يجب دائماً تفكيك الأساطير عندما تؤدي وظيفة رمزية إيجابية؟

فالتاريخ يسعى إلى الحقيقة، بينما تحتاج المجتمعات أحياناً إلى رموز مشتركة تمنحها معنى وهوية. وربما لهذا السبب يستمر الثامن من آذار (مارس) في أداء دوره الرمزي حتى بعد الكشف عن التناقضات في روايته الأصلية.

وكما قال المؤرخ إيريك هوبسباون: "كثير من التقاليد التي تبدو قديمة هي في الواقع تقاليد مخترعة".

ومع ذلك، فإن هذه التقاليد المخترعة قد تصبح مع مرور الزمن جزءاً من التاريخ نفسه.

وهكذا، سواء كانت قصة خيّاطات نيويورك حقيقة تاريخية أم أسطورة رمزية، فقد أصبح 8 آذار (مارس) اليوم الذي تتجمع فيه نساء العالم للتذكير بأن طريق المساواة لم يكن يوماً سهلاً، وأن النضال من أجل الحرية والكرامة لا يزال مستمراً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.