في التاريخ، تظهر أحياناً شخصيات دينية أو سياسية تقلب المعادلات الفكرية رأساً على عقب، ليس لأنها تقدم رؤى جديدة، بل لأنها تدفع الأفكار إلى أقصى حدودها، حيث تختلط العقيدة بالسلطة، وتتحول المعتقدات إلى أدوات صراع. ومن بين هذه الشخصيات المثيرة للجدل ظهر في القرن الثامن عشر رجل اسمه يعقوب فرانك، مؤسس الحركة التي عُرفت لاحقاً باسم الفرنكستية.
لم يكن فرانك مجرد زعيم ديني غريب الأطوار. لقد كان ظاهرة فكرية أربكت أوروبا الشرقية كلها. استند في أفكاره إلى إرث المدعي المهدوي اليهودي شبتاي تسفي، الذي هز العالم اليهودي في القرن السابع عشر عندما أعلن نفسه المسيح المنتظر.
الفكرة الأساسية التي قام عليها مشروعه كانت صادمة: الخلاص لا يتحقق بالالتزام بالقوانين، بل بكسرها. كان يرى أن الطريق إلى النور يمر عبر الظلام، وأن تجاوز الحدود الأخلاقية والدينية هو جزء من عملية الخلاص الروحي. هذه الفكرة قلبت مفهوم التدين رأساً على عقب، وجعلت الفرنكستية تُصنف بسرعة كواحدة من أخطر الحركات المنحرفة في التاريخ الديني اليهودي.
الحاخامات حاربوا الحركة بلا هوادة، واعتبروها تهديداً مباشراً للنظام الديني. لكن المفارقة أن هذه الحركة لم تندثر، بل تحولت إلى شبكة غامضة من الأتباع الذين عُرفوا بقدرتهم على التخفي والتكيّف مع الظروف.
في عام 1759 أعلن فرانك وأتباعه تحولهم إلى الكاثوليكية في بولندا، في خطوة أثارت صدمة واسعة. آلاف منهم تعمدوا رسمياً، لكن كثيراً من المؤرخين يعتقدون أن التحول كان تكتيكاً سياسياً وليس تحولاً عقائدياً حقيقياً. كانت تلك خطوة تعكس طبيعة الحركة: مرونة مفرطة في تغيير الهوية، واستعداد دائم لاستخدام الدين كأداة للنفوذ.
بعد وفاة فرانك عام 1791 تلاشت الحركة تدريجياً، لكنها تركت أثراً فكرياً عميقاً في النقاشات حول العلاقة بين العقيدة والسلطة. فقد أصبحت مثالاً كلاسيكياً على كيف يمكن للأفكار الدينية المتطرفة أن تتحول إلى مشروع سياسي واجتماعي مربك.
وعندما ننظر إلى المشهد السياسي في الشرق الأوسط اليوم، يظهر سؤال قديم يتكرر: ماذا يحدث عندما تتحول العقيدة إلى سياسة؟
في إسرائيل اليوم، حيث تتقاطع الهوية الدينية مع المشروع القومي، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيداً. تحت قيادة مجرم الحرب نتنياهو شهدت المنطقة موجات متكررة من التصعيد العسكري والصراع السياسي الحاد، ما جعل كثيراً من المراقبين يتساءلون عن طبيعة الخطاب الذي يقود هذه السياسات. وهناك همس بدأ يتحول إلى صراخ من داخل المجتمعات اليهودية أن نتنياهو هو عنصر مجدد لهذه الحركة الدموية العبثية، ففي بعض التيارات السياسية الإسرائيلية يظهر تصور للصراع بوصفه معركة تاريخية وجودية، لا مجرد نزاع سياسي قابل للتفاوض. حين تتحول الأرض إلى رمز مقدس، وحين يصبح التاريخ نصاً مغلقاً لا يقبل التأويل، تصبح السياسة أكثر اندفاعاً وأقل قدرة على التراجع.
التاريخ يخبرنا أن مثل هذه الرؤى تحمل دائماً مخاطر كبيرة. فالعقائد المطلقة، سواء كانت دينية أو قومية، تميل إلى دفع المجتمعات نحو المواجهة بدلاً من التسوية.
في هذا السياق، تبدو قصة الفرنكستية أكثر من مجرد حادثة تاريخية غريبة. إنها تذكير بأن الأفكار حين تتحرر من القيود الأخلاقية وتتحول إلى مشروع سلطة يمكن أن تقود إلى اضطراب واسع.
لقد آمن أتباع فرانك بأنهم يسيرون نحو الخلاص، لكن النتيجة كانت انقساماً عميقاً داخل المجتمعات التي عاشوا فيها. وهذه المفارقة تتكرر في التاريخ مراراً: الأفكار التي تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة غالباً ما تنتج أكبر الفوضى.
الشرق الأوسط اليوم يعيش لحظة توترات متراكمة، عوامل تجعل المنطقة تبدو وكأنها تدور في حلقة تاريخية مغلقة.
لكن التاريخ لا يتحرك في خطوط مستقيمة. الإمبراطوريات تسقط، والحركات المتشددة تذوب، والسياسات التي تبدو ثابتة اليوم قد تصبح غداً مجرد فصل آخر في كتب التاريخ.
من يعقوب فرانك في القرن الثامن عشر إلى صراعات الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، يبقى الدرس واضحاً: عندما تتحول العقيدة المنحرفة إلى أداة سلطة، يصبح العالم أكثر اضطراباً، ويصبح السلام أكثر بعداً. وفي النهاية، لا يكتب التاريخ أولئك الذين يرفعون الشعارات المطلقة، بل أولئك الذين يفهمون حدود القوة وحدود العقيدة وحدود السياسة.


