كيف تدفع دول الخليج ثمن حرب لم تبدأها بينما تبقى القضية الفلسطينية جوهر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط
تشير التقارير إلى أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت تراجع بهدوء بعض استثماراتها الدولية، بما في ذلك أصول كبيرة في الولايات المتحدة. لا ينبغي قراءة هذه الخطوة المحتملة على أنها مجرد تعديل مالي تقني. فعندما تبدأ صناديق الثروة السيادية التي تدير تريليونات الدولارات في إعادة النظر في توزيع أصولها، فإن ذلك يعكس قلقاً أعمق يتعلق بتزايد عدم الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة.
لقد كانت اقتصادات الخليج لعقود طويلة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظام المالي العالمي، وكانت الولايات المتحدة إحدى الوجهات الرئيسية للاستثمار الخليجي. وقد استندت هذه العلاقة إلى معادلة ضمنية تقوم على الحماية الأمنية مقابل التكامل المالي والاستراتيجي. غير أن التصعيد العسكري في المنطقة، والتوتر المتزايد مع إيران، وتعطل طرق الملاحة، كلها عوامل تدفع صناع القرار في الخليج إلى إعادة تقييم هذه المعادلة.
لكن جذور عدم الاستقرار في الشرق الأوسط أعمق من المواجهة الحالية. ففي قلب الأزمة الإقليمية تقبع القضية الفلسطينية غير المحلولة. إن الدمار الذي أصاب غزة، وتسارع ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، والاتهامات المتزايدة بارتكاب إبادة جماعية، كلها عوامل دفعت الصراع إلى مستوى يتجاوز لغة الدبلوماسية التقليدية.
فالمنطقة التي تحتاج إلى الاستقرار من أجل التجارة والسياحة والتنمية الاقتصادية تجد نفسها مراراً وتكراراً في دوامة من التوترات التي يغذيها صراع لم يتم حله سياسياً أو أخلاقياً.
كما يُنظر إلى الحرب الحالية على نطاق واسع في المنطقة على أنها حرب غير مبررة بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي حرب تحمل خطر التوسع إلى مواجهة إقليمية أوسع. وفي مثل هذه الظروف لا تبقى تداعيات الحرب محصورة في ساحة القتال، بل تمتد إلى الاقتصاد والتجارة والاستقرار السياسي.
لم تبدأ دول الخليج هذه الحرب، لكنها قد تكون من أكثر الأطراف التي ستدفع ثمنها. فاستضافة القواعد العسكرية الأمريكية جعلت هذه الدول أهدافاً محتملة في أي تصعيد عسكري، ما يضع مدنها وبنيتها التحتية الحيوية في مرمى الصراع.
وهذا يطرح سؤالاً استراتيجياً أعمق: هل ستستمر دول الخليج في الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية، أم أنها ستتجه في النهاية نحو قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي؟
إن إعادة تقييم الاستثمارات الدولية قد تبدو خطوة مالية بحتة، لكنها قد تعكس أيضاً تحولاً أوسع في التفكير الاستراتيجي في المنطقة.
وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بالاستثمارات أو الصناديق السيادية، بل بمستقبل النظام السياسي في الشرق الأوسط. فلا يمكن لمنطقة تسعى إلى الاستقرار والازدهار أن تتجاهل إلى ما لا نهاية استمرار الاحتلال، وضم الأراضي الفلسطينية، ودورات العنف المتكررة.
إنَّ العدالة غير المحققة تظل دائماً مصدراً دائماً لعدم الاستقرار. وإذا استمرت القضية الفلسطينية في التهميش بينما تتوسع الحروب في المنطقة، فإن تداعيات ذلك لن تبقى محصورة داخل حدود فلسطين، بل ستمتد إلى النظام الإقليمي بأكمله.


