الفارق الزمني بين لحظة إعلان الخميني تجرُّع "كأس السم" بقبول وقف الحرب مع العراق في العام 1988، وبين مقتل خامنئي، ليس فارق سنوات فحسب، بل فارق سياقات وتحولات دولية وإقليمية عميقة.
هناك، على جبهة الحرب العراقية-الإيرانية، كان النظام الإيراني يخرج من حرب استنزفت الدولة والمجتمع.
أما اليوم، فإن النظام ذاته يواجه تراكم أزمات داخلية خانقة وضغوطًا عسكرية وسياسية خارجية متزايدة.
"كأس السم" في الذاكرة الإيرانية لم يكن مجرد استعارة بلاغية، بل لحظة اعتراف بواقع الهزيمة السياسية والعسكرية.
أما اليوم، فإن أي قراءة لمستقبل نظام الملالي في إيران القائم على عقيدة ولاية الفقيه لا يمكن أن تنفصل عن تلك اللحظة التاريخية التي فرضت على القيادة الإيرانية مراجعة اضطرارية وواقعية.
لا يمكن الجزم بنهايات كبرى أو إطلاق أحكام قطعية على مشهد شديد التعقيد. غير أن المؤكد أن النظام الذي بنى شرعيته على ثنائية "الثورة" و"المظلومية" يواجه تحديًا مختلفًا: جيلًا إيرانيًا شابًا، واقتصادًا مثقلًا بالعقوبات، وإقليمًا لم يعد يحتمل سياسات التمدد والعداء المفتوح.
التاريخ يُظهر أن الأنظمة الأيديولوجية، حين تضيق خياراتها، تميل إلى تصعيد الخطاب الديني والشعبوي، وتوسيع ساحات الاشتباك، غير أن ذلك لا يُلغي حقيقة أن مآلات الداخل تبقى الفيصل الحاسم.
فالنهايات لا تُكتب بالخطب وحدها، ولا تُحسم بالشعارات، بل بتوازنات القوة داخل المجتمع نفسه، وبالقدرة على إعادة تعريف العلاقة مع دول الجوار الخليجي.
في هذا الإطار، تبدو المقارنة بين الأمس البعيد واليوم أقرب إلى قراءة رمزية منها إلى تطابق حرفي؛ فإيران في العام 1988 ليست إيران اليوم، والإقليم تغيَّر، وموازين القوى الدولية تبدَّلت.
السؤال الحقيقي ليس: من تجرَّع السم؟ بل: هل يدخل النظام الإيراني في مراجعة عميقة تعيد تعريف دوره داخليًا وخارجيًا، أم يستمر في سياسة حافة الهاوية والمغامرات القاتلة؟
من حق الشعب الإيراني أن يتطلع إلى أفق مدني أوسع، ودولة طبيعية تتفاعل مع محيطها بلا صراعات مفتوحة.
ومن حق دول الخليج العربي أن تتمسك بأمنها واستقرارها وسيادتها، وأن تدعم أي مسار يعيد الاعتبار لمبدأ السيادة وعدم التدخل في شؤون الغير، ويضع حدًا لدوائر العداء المزمنة مع دول مجلس التعاون الخليجي.
أما ما بعد أي مرحلة مفصلية، فإن صناعته، كما تُظهر تجارب الشعوب والدول، لا تكون بفراغ سياسي، بل بإرادة داخلية قادرة على تحويل لحظة الانكسار إلى بداية مختلفة، وتحول سياسي واقتصادي أكثر انفتاحًا.
تلك هي العبرة الأعمق في استعارة "كأس السم": ليست في مرارته، بل في ما يليه.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى قراءة خليجية موحَّدة تضع نهاية حاسمة لحالة الاستعلاء والعداء التي طبعت السياسة الإيرانية تجاه دول الخليج لعقود، وصياغة رؤية مشتركة لعلاقات خليجية-إيرانية تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة الدول الخليجية.
إن التطورات الراهنة تفرض التفكير في تعميق التنسيق والتحالف السياسي والعسكري الخليجي لمواجهة الأطماع الإيرانية، سواء صدرت عن نظام الولي الفقيه أو عن أي بديل محتمل في المستقبل.
فتوقيت "تجرُّع كأس السم" في طهران ليس هو المسألة الأهم، بقدر ما هو مهم أن تمتلك دول الخليج قراءة استراتيجية موحَّدة للتحديات الحالية والمستقبلية، وأن تعيد صياغة علاقتها مع إيران على قاعدة الندية لا موازين الضعف.
وربما يكون سيناريو "كأس السم" هذه المرة بانتظار أن يُكتب من داخل إيران نفسها والشعب الإيراني تحديدًا.

