"يريدونكم أن تعودوا ماسحي أحذية وحمّالين على المرفأ"؛ هذه الكلمات التي استعملها الأمين العام السابق والراحل لحزب الله ليُرهِب شيعة لبنان ويُخَضِّعهم لسلطة ميليشيا إيران، مُتَسَلِّحًا بفرضية عودة الشيعة إلى ماضٍ "وضيع" بدون سلاح الحزب، وهذا ما كان يزعمه حسن نصر الله.
تداعَت هذه الكلمات إلى ذهني أثناء متابعتي لحركة النزوح الجماعي لما يُسمى "بيئة المقاومة" من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت، والتي بلغت ذروتها في اليوم الرابع بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية تمهيدًا لتحويل تلك المناطق إلى ساحات حرب مفتوحة. مشهد القوافل البشرية التي تركت بيوتها قسرًا، ومشهد العائلات التي تبحث عن مأوى في مدارس أو عند الأقارب، لم يكن مجرد صورة من مشهدية الحرب، بل كان أيضًا دليلًا صارخًا على حجم الكذبة التي بُني عليها خطاب حزب الله طوال عقود.
فهذا الذي لطالما وعد جمهوره بحمايتهم والمحافظة على كرامتهم، تركهم مرةً أخرى تحت رحمة حرب قرار الانخراط فيها خارج عن إرادتهم. والذي أعلن مرارًا وتكرارًا أن السلاح هو ضمانة الشيعة في لبنان، أثبت أن هذا السلاح هو الذي جعل من بيوتهم هدفًا أوليًا للقصف والدافع الأساس لتهجيرهم مع أطفالهم وشيوخهم.
من يتابع خطاب الأمين العام الحالي للحزب، نعيم قاسم، لا يجد سوى اجترارًا مملًا للادعاءات التي لطالما استُخدِمت خلال السنوات الماضية. لقد خرج الرجل ليقول إن إطلاق الصواريخ أتى "ردًا على 15 شهرًا من الانتهاكات الإسرائيلية"، وإن إسرائيل كانت تستعد للحرب أصلًا، وإن المشكلة لا تكمن في السلاح بل في "الاحتلال"، وإن المقاومة "حق مشروع" لا يُناقَش.
لكن الحقيقة أبسط من كل هذه البلاغة المعلَّبة.
فلو كان الحزب حريصًا فعلًا على لبنان أو على شيعته، لما اتخذ قرار الحرب نيابةً عن بلد بأسره. ولو كان صادقًا في حديثه عن السيادة، لما ربط مصير لبنان بمصير طهران، ولما قدّم نفسه دائمًا كجزء من "محور" إقليمي لا تربطه أي علاقة بالدولة اللبنانية ولا بمصالح اللبنانيين.
نعيم قاسم يخطب بالشعب مُصرِّحًا أن الصواريخ ليست سبب الحرب. نعيم قاسم مُدَّعٍ.
الدولة اللبنانية لم تتخذ قرار الدخول في الحرب، واللبنانيون لم ولن يعزموا على الحرب، وحتى الشيعة لم يُستشاروا في مسألة الحرب. الذي قرر شنَّ الحرب هو تنظيم مسلح يمارس مهام الدولة داخل الدولة، بل يتصرف كدولة مُغتصِبة للدولة.
والأخطر من ذلك، أن الحزب لم يكتفِ باستبعاد اللبنانيين وعدم إشراكهم في قرار الحرب والسلم، بل حرم الشيعة أنفسهم من حق الاختيار، اختيار الحرب أو الاستقرار.
فالمجتمع الشيعي في لبنان ليس كتلةً واحدةً، ولم يكن يومًا كذلك. تاريخ هذا المجتمع يتميز بالتعددية الفكرية والسياسية، من السيد محسن الأمين إلى الإمام موسى الصدر، ومن هاني فحص إلى لقمان سليم. هؤلاء لم يكونوا داعمي ميليشيا ولا دعاة حروب عبثية، بل كانوا ينادون بالكرامة الإنسانية والدولة المدنية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
لكن حزب الله عمل طوال عقود على قمع هذا التنوع والقضاء عليه. لقد اغتال حزب الله الأصوات المستقلة معنويًا وسياسيًا وأحيانًا جسديًا، وفرض معادلةً واضحةً: إما أن تكون مع السلاح أو أنت خائن، إما أن تقبل بمنطق الحزب أو تُتهم بأنك تخدم إسرائيل.
واليوم، يدفع الشيعة أنفسهم ثمن هذه المعادلة. قرى الجنوب تُفرَّغ، والضاحية تُقصف، وعشرات الآلاف يعيشون مرارة النزوح مرةً أخرى، بينما قيادات الحزب تكرر الشعارات نفسها التي لم تعد تقنع حتى جمهورها.
المفارقة القاسية أن نصر الله كان يخوّف شيعة لبنان من العودة إلى زمن "ماسحي الأحذية والعتّالين".
لكنَّ الحقيقة أن ماسح الأحذية أو العتّال هو إنسان يعيش من عرق جبينه، يعمل بكرامة، ويكسب رزقه بشرف. مَن يُمارس هذه الأعمال لا يعيش على اقتصاد الظل، ولا يقتات من تهريب المخدرات ومن الحروب بالوكالة.
العمل اليدوي ليس عارًا. العار في أن يتحول مجتمع كامل إلى وقود لمشروع عسكري لا يخدم إلا مصالح دولة أخرى.
اليوم يقف شيعة لبنان أمام مفترق تاريخي.
إما أن يستعيدوا إرثهم الحقيقي، إرث محسن الأمين وموسى الصدر وهاني فحص ولقمان سليم، إرث العقل والانفتاح والدولة، وإما أن يقبلوا بأن يبقوا أسرى ميليشيا لا ترى فيهم سوى وقودًا بشريًا لحروبها.
الانتفاضة على حزب الله لم تعد مسألةً سياسيةً فحسب، بل مسألة وجودية بحتة. لأن السلاح الذي أُعطِيَ صفة الضمانة للكرامات تحول إلى لعنة، والحرب التي صُنِفت في خانة الدفاع عن لبنان تحولت إلى حرب ضد لبنان.
أما أفظع أكذوبة يكررها نعيم قاسم ومن سبقه، فهي أن هذا المسار يحمي الشيعة. في الواقع، هذا المسار دمّر قرى الشيعة، وهجّر أهلها، وربما جعل عودتهم إلى بيوتهم حلمًا بعيد المنال.
وعندها فقط سيكتشف كثيرون أن الخوف الذي زرعه الحزب في عقول هذه الفئة من الشيعة كان مجرد أداة للسيطرة عليهم. الوضاعة ليست في التخلي عن سلاح الميليشيا، بل في البقاء أسرى لهذا السلاح. الوضاعة تتجلى عندما تقبلون أن تتحول قراكم إلى ساحات حرب، وأن تصبح منازلكم وغرف نوم أطفالكم أهدافًا عسكرية في خضم حرب لم يقررها لبنان. إلا أن الشعوب قد تخسر أوطانها عندما تسلّم مصيرها لمن يعيش على دمائها.
والحقيقة الأشد قسوة أن ما فعله حزب الله بلبنان لم يكن ليحدث لولا صمت كثيرين. فكل مواطن لبناني، لا سيما داخل المجتمع الشيعي، اختار الصمت عمّا يُقتَرَف باسمه، وسكت عن الجرائم التي ارتُكبت بحق لبنان وبحق الشيعة أنفسهم، سيدفع ثمن صمته. لقد نجح الحزب طوال سنوات في تحويل الأمهات إلى أدوات دعائية تحتفل بما يسمّيه "الاستشهاد"، بينما الحقيقة هي أنهم يحتفلون بفقدان أبنائهن، ويجعلون من فقدان فلذات أكبادهن طقوسًا سياسية تخدم استدامة الميليشيا ولا تعزز كرامة الإنسان. هذه ليست ثقافة مقاومة، بل ثقافة موت. مجتمع يُطَبَّع على أن يَفرَح بموت أبنائه وبتهجير عائلاته هو مجتمع يُدفَع بقوة نحو الهاوية.
ولعل المأساة الكبرى أن كثيرين قبلوا بهذه المعادلة خوفًا أو تواطؤًا أو استسلامًا. لكن التاريخ لا يرحم الصامتين. فالأمم التي تسكت عن تحويل أبنائها إلى وقود للحروب تفقد حقها في ادعاء المظلومية.
وربما آن الأوان أن يعلن اللبنانيون، والشيعة قبل غيرهم، الحقيقة التي حاول حزب الله دفنها طوال عقود:
ليتنا كنا ماسحي أحذية وقضاةً ومعلمين وأطباءً نشقى لعيشنا ونعيش بشرف، بدلًا من أن نكون أمةً يُفرض عليها أن تمتهن الموت والتهجير.


