وقفنا، ككرد، مواصلين الليل بالنهار، مع قوات قسد في محطات مفصلية: الشيخ مقصود والأشرفية، وريف حلب، ودير حافر، ودير الزور، والرقة، إلا أن وقوفنا لم يكن إلا من أجل شعبنا، ومن أجل هؤلاء المقاتلين الذين لا همَّ لهم سوى شعبهم، لا نصرة حزب بعينه، ولا صورة قائد، ولا رهانًا على كاريزما شخصية عسكرية، تتجسد في أي مقاتل بطل كردي واجه داعش وميليشيات الإرهاب: محطةً محطةً.
أثناء اشتعال أوار الحرب كان علينا أن نغضَّ النظر عن كل خطأ ولو كبير، وأن نقف مع من يمنع عن شعبنا الجينوسايد، وقد آن الأوان أن نقول لك: قف.
استغربنا جميعًا حين انفرد الجنرال مظلوم، وطار إلى دمشق في آذار (مارس) 2025، ليوقّع، من دون إعلام الكرد السوريين وممثليهم التاريخيين، على وثيقة الاتفاق مع الرئيس المؤقت أحمد الشرع، وهي خطوة لم يُعرف مضمونها مسبقًا. لم يستشر أحدًا، كما يفعل في كل خطواته: لا في السلم ولا في الحرب، ولم يُبدِ اكتراثًا بنتائج ومقررات كونفرنس 26 نيسان (أبريل) 2025، ومضى يلتقي قيادات دمشق مع رفاق ورفيقات اختارهم هو، من منظومته، بالرغم من أن موقعه عسكري لا سياسي، بل بدا أن حتى الشأن العسكري لم يَسِرْ وفق ما أراد.
لقد تجاهل الأخ الجنرال، بهذا السلوك، شعبه ونواة مرجعيته السياسية الرئيسة: المجلس الوطني الكردي، وما حوله من أحزاب من داخله ومن خارجه، سابقةً، تأسيسيًا، على ظهور وفرض ب ي د على مكاننا وكائننا. وبالرغم من مآخذنا الكثيرة على بعض قيادات هذا المجلس وما حوله من أحزاب، وبالرغم من فقدان الثقة بكثير من وجوهه المفروضة، فإنه يظل إطارًا يُفترض أنه يمثل إرادة الكرد السوريين.
كانت قلوبنا مع الجنرال وهو يواجه التحديات، لأنه، وإن كان مفروضًا، فقد وجد نفسه في موقع تمثيل الكرد. دموع الفرح سالت من أعين كل الكرد الشرفاء، يوم أفلحت خطوات الرئيس نيجيرفان، بتخطيط ودعم من الرئيس مسعود، في مواجهة واحدة من أكبر المؤامرات التي استهدفت وجود الكرد، بعد ما قُدِّم لدونالد ترامب من رُشًى، بقيادة تركيا ودول خليجية، وتم الرد عليها عبر حضوره ملتقى ميونخ الدولي. ومع ذلك، اصطحب معه رفاقه، ولم يستشر أو يصحب أصحاب القضية السابقين عليه وعلى حزبه، أي المجلس الوطني، وبعض الأحزاب التاريخية، من خارج المجلس.
اليوم نتفاجأ بتعيينات عديدة، جميع مسؤوليها منتمون إلى "ب ي د"، أو من داعمي حزب العمال الكردستاني سابقًا، فكيف لنا أن ننقد نظام الرئيس المؤقت أحمد الشرع على تعييناته الأحادية لرفاقه: الجهاديين، فيما من تسلط على قرار وإرادة شعبنا، وبعد نضال قرنٍ كامل، بات يقتفي الأثر نفسه؟ بأي منطق نرفض استفراد دمشق بالقرار، ثم نصمت حين يتكرر النموذج داخل بيتنا السياسي؟ هكذا يبدو أن السيد مظلوم، بالرغم من إمكاناته المتواضعة جدًا في القيادة، يمارس نهج الحزب الواحد، بالرغم من وجود أصحاب كفاءات عالية أكثر من كل من تم ترشيحهم حتى الآن، أصحاب كفاءات لا غبار على نضالهم: كرديًا ووطنيًا، في آن واحد.
أتذكر أننا، في عام 2020، اطلعنا على وثيقة تفاهم بين المجلس الكردي و"ب ي د"، كان مضمونها توزيع التمثيل بنسبة 40 بالمئة لكل طرف وترك 20 بالمئة للمستقلين، يتم اختيارهم من قبل الطرفين. حتى تلك النسبة التي رأى كثيرون أنها مرتفعة لصالح ب ي د، لم تُطبَّق حتى اليوم.
إذا أراد الجنرال مظلوم أن ينجح، وهو ما نريده، لأنه أمل الكرد في سوريا، عسكريًا، بعد فرض هذه المنظومة ومحاربة كل ما سواها بأساليب لا أريد وصفها كما هي هنا، وأنا من الذين يريدون له الخير، فعليه، في رأيي، أن يضع نفسه تحت سقف المرجعية السياسية التي تمثل الكرد، وألا يغتر بواقع لم يصنعه وحده، بل إن أي منجز لكرد سوريا هو ثمرة دماء أبنائهم، من دون أن ننسى دعم أصدقاء الكرد في فرنسا والكونغرس الأميركي، وجهات دولية وعربية، وبفضل حكمة الرئيس مسعود بارزاني في المقال الأول، بعد أن غدا الخيار العسكري عبئًا نتيجة تعنت سياسات قادته.
كان عليك، قبل أن تنشغل بترتيب المقاعد وتوزيع الألقاب على دائرتك الضيقة، أن تفكر بالأسرى الكرد، مجهولي المصير، الذين يطول انتظارهم خلف القضبان، وبعودة جنازات الشهداء التي ما تزال معلّقة بين أرضٍ تعرف أسماءهم وسماءٍ لم تُوارَ أجسادهم بعد. كان عليك أن تضع هذا الملف في مقدمة كل خطوة، لأن كرامة الأسرى وحق العائلات في وداع أبنائها ليستا تفصيلًا إداريًا يُؤجَّل، بل جوهر القضية التي من أجلها سال الدم ووقف الناس خلفك.
من هنا، فإنني لآمل أن يقدم الجنرال مظلوم على مراجعة ذاتية جادة، وأن يتوقف عند لحظة مساءلة فكرية وسياسية عميقة.
لقد قلنا "لا" لبشار الأسد، كما قلناها لأبيه، وقلناها للرئيس المؤقت أحمد الشرع في كل استفراد بالقرار. وحريٌّ بنا أن نقولها اليوم لابن روج آفا أيضًا، إن استمر في هذا النهج وهذا التعنت والاستفراد واستثمار دماء أبناء روج آفا لأمجاد حزبية، لمحض منظومة، باتت مرفوضة من قبل الشارع الكردستاني.


