: آخر تحديث
ضربة الرأس، هل تسقط الجسد؟

صراع الخرائط لا صراع الشعارات

2
2
2

فهم الحرب على إيران لا ينبغي أن يُختزل في عنوان "اجتثاث ولاية الفقيه" أو في سردية حماية الشعب الإيراني. المسألة، في جوهرها، أعمق من تغيير نظامٍ أو معاقبة سلوكٍ إقليمي. إنها ترتبط بما يمكن تسميته هندسةً جديدةً لخرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

السياسة الأميركية، تاريخياً، لا تُقرأ من خلال خطابها العلني فقط، بل من خلال نتائجها الإستراتيجية. ما يُقال عن نشر الديموقراطية أو حماية الاستقرار لا يطابق دائماً ما يجري في باطن القرار. في عام 2003، حين قادت إدارة الرئيس بوش الابن غزو العراق وإسقاط النظام السابق، لم تكن النتيجة بناء دولةٍ مستقرةٍ كما رُوّج، بل فتح المجال لفراغٍ إستراتيجيٍ تمددت فيه قوى إقليمية، وفي مقدمتها إيران.

ذلك الفراغ لم يكن حادثاً عرضياً بالكامل، بل نتيجةً مباشرةً لطريقة إدارة ما بعد الحرب. واليوم، حين تُستهدف إيران، يبدو المشهد كأنه تصحيحٌ لمسارٍ سابق، أو إعادة ضبطٍ لتوازنٍ اختلّ، لا دفاعاً عن قيمٍ مجردة، بل استجابةً لتحولاتٍ في المصالح.

من هنا، فإن ما يجري ليس صراعاً أخلاقياً بين "خير وشر"، بل إعادة تموضعٍ في لعبة المصالح الكبرى. القوى الكبرى تتحرك وفق أولوياتها، لا وفق شعاراتها. وإيران، التي استفادت من لحظة ما بعد 2003 لتوسيع نفوذها في العراق وسوريا ولبنان، تجد نفسها اليوم أمام معادلةٍ مختلفة: المصالح التي سمحت بالتمدد قد تغيّرت، وبالتالي تغيّر معها موقعها في الحسابات.

النتيجة الطبيعية لهذا المشهد هي الانقسام الحاد في الواقع العربي. جزءٌ من هذا الانقسام يعكس غياب مشروعٍ عربيٍ موحد، وجزءٌ آخر يعكس التباساً أيديولوجياً عميقاً. تياراتٌ قوميةٌ كانت تضع فلسطين في قلب خطابها تجد نفسها اليوم أقرب إلى الموقف الأميركي في مواجهة إيران، انطلاقاً من رفضها للنفوذ الإيراني في المنطقة. في المقابل، قوى موالية لطهران تنتقد هذا الاصطفاف، متناسيةً أنها وقفت في مراحل سابقةٍ إلى جانب الولايات المتحدة حين تلاقت المصالح في العراق.

هذا التناقض لا يعكس فقط ازدواجيةً سياسية، بل يعكس أزمةً أعمق في البوصلة الفكرية. التحالفات لم تعد تُبنى على شعاراتٍ كبرى، بل على حساباتٍ ظرفية. والمواقف تُقاس بميزان العداء أو القرب من إيران، لا بميزان رؤيةٍ إستراتيجيةٍ شاملةٍ لمستقبل المنطقة.

حين نتحدث عن "رسم خرائط جديدة"، فالمقصود ليس بالضرورة تقسيمًا جغرافياً مباشراً، بل إعادة توزيع أدوارٍ ونفوذٍ وحدود تأثير. من يسيطر على ممرات الطاقة؟ من يحدد معادلات الأمن الإقليمي؟ من يرسم قواعد الاشتباك بين الدول الفاعلة؟

إن ما يحدث لا يمكن فصله عن المصالح الإستراتيجية للكيان الصهيوني وتوجهاته في المنطقة. فإضعاف إيران، سواء عسكرياً أو سياسياً، يعني عملياً تقليص أحد أبرز مراكز التهديد لإسرائيل، وإعادة ترتيب ميزان القوى بما يعزز تفوقها النوعي والأمني لسنواتٍ قادمة. وفي هذا السياق، تبدو المواجهة وكأنها تخدم هدفاً أوسع يتمثل في تثبيت هيمنة إسرائيل الإقليمية، وإعادة صياغة البيئة الإستراتيجية المحيطة بها بما يقلل من احتمالات تشكل محورٍ إقليميٍ قادرٍ على موازنتها.

الحرب على إيران، في هذا السياق، ليست حدثاً منفصلاً، بل حلقةٌ في مسارٍ طويلٍ بدأ منذ انهيار توازنات ما بعد الحرب الباردة، ومرّ بمحطة 2003، ثم الربيع العربي، وصولاً إلى صراعات الوكالة المتعددة.

المنطقة اليوم لا تعيش فقط مواجهةً عسكرية، بل تعيش مرحلة إعادة تعريفٍ للنفوذ والشرعية والدور. وبينما تتحرك القوى الكبرى وفق خرائط مصالحها، يبقى السؤال العربي معلقاً: هل نملك رؤيةً مستقلة، أم سنظل نتفاعل مع خرائط يرسمها الآخرون؟

المأزق الحقيقي ليس في اصطفاف هذا الطرف أو ذاك، بل في غياب مشروعٍ عربيٍ جامعٍ قادرٍ على قراءة المشهد خارج ثنائية "مع" أو "ضد"، وفهم أن الصراع الدائر يتجاوز الأنظمة ليطال شكل الإقليم كله لعقودٍ مقبلة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.