: آخر تحديث

مكة أولاً… ووحدة الخليج خيارٌ لا يحتمل التأجيل

3
3
3

في شهرٍ تتضاعف فيه المعاني قبل الأعمال، وتسمو فيه القيم فوق الحسابات، تمر منطقتنا بمرحلةٍ دقيقةٍ تتشابك فيها الملفات العسكرية والسياسية، وتتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع حسابات الإقليم. حربٌ لا يبدو أولها من آخرها، وتصعيدٌ إيراني يتجاوز الرسائل السياسية إلى الاعتداءات المباشرة على أمن المملكة العربية السعودية ودول الجوار الشقيقة، في مشهدٍ يفرض على العقلاء مسؤولية القرار قبل رد الفعل.

وفي خضم هذه التحديات، يطل بين حينٍ وآخر من يسعى لشحن الأجواء داخل البيت الخليجي، وكأن المرحلة تحتمل رفاهية الانقسام، أو أن أمن كل دولة يمكن أن يُفصل عن الأخرى. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالتحديات الخارجية لا تضعف الكيانات المتماسكة، لكنها تستثمر في أي شرخٍ داخلي.

سياسياً، نحن أمام لحظةٍ مفصلية. فالخليج اليوم ليس كما كان قبل عقدين. لمكانته الاقتصادية والعالمية، وثقله في أسواق الطاقة مؤثر، وحضوره في ممرات التجارة الدولية أساسي، وموقعه في معادلات التوازن الإقليمي أصبح أكثر حساسية. وأي تباين في المواقف يُقرأ خارجياً كفرصة، وأي تردد في توحيد الرسائل يُفسر ضعفاً في الإرادة. وهذا ما لا نريده.

من هنا، فإنَّ الدعوة إلى اجتماعٍ عاجلٍ لقادة مجلس التعاون ليست مجرد مبادرةٍ بروتوكولية، بل رسالةٌ استراتيجية متعددة الأبعاد: رسالة ردعٍ للخارج، ورسالة طمأنةٍ للداخل، ورسالة تأكيدٍ بأن الأمن الخليجي كلٌّ لا يتجزأ. ولم لا تكون في هذه الأيام المباركة مكة المكرمة هي المكان؟ وفي هذا الشهر الكريم، حيث القدسية تُضفي على القرار بعداً معنوياً، وحيث التاريخ يُذكر بأن مكة المكرمة كانت دائماً نقطة انطلاقٍ للرسائل الكبرى. اجتماعٌ في مكة المكرمة ليس حدثاً سياسياً فحسب، بل مشهدٌ رمزي يقول: إن وحدة الصف ليست خياراً مرحلياً، بل التزاماً أخلاقياً واستراتيجياً.

التاريخ الخليجي القريب يمنحنا شواهد واضحة. فعند اندلاع حرب تحرير الكويت عام 1990، كان التماسك الخليجي سياسياً وعسكرياً عنصراً حاسماً في تثبيت الشرعية ودعم الكويت حتى التحرير. وفي مراحل لاحقة، أثبت التنسيق الأمني والعسكري بين دول المجلس أنه صمام أمانٍ في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى محاولات زعزعة الاستقرار. كما أن تجاوز الخلافات الخليجية في السنوات الماضية وعودة اللحمة بين الأشقاء أكد أن المصير المشترك أكبر من أي تباينٍ عابر.

اليوم نحن أمام اختبارٍ جديدٍ لوعي المرحلة. ليس المطلوب خطاباً انفعالياً، ولا مزايداتٍ إعلامية، بل وضوحاً في الرؤية، وثباتاً في الموقف، وتسريعاً في التنسيق. فالمنطقة لا تعيش ظرفاً عادياً، وأي فراغٍ سياسي قد تملؤه أطراف لا تريد الخير لدول الخليج.

لقد جاءت اتصالات سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، بقادة دول المجلس منذ أول يومٍ للأزمة تأكيداً على أن المملكة العربية السعودية تدرك حساسية المرحلة، وتتحرك بعقل الدولة لا برد الفعل. فالمملكة، بحكم مكانتها وثقلها، لا تبحث عن اصطفافٍ شكلي، بل عن وحدة موقفٍ حقيقي تحمي الاستقرار الإقليمي وتُغلق أبواب العبث.

نحن في زمنٍ تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ، ومن لا يُحسن قراءة اللحظة قد يجد نفسه خارج معادلة التأثير.

وحدة الخليج اليوم ليست شعاراً، بل ضرورة أمنٍ قومي. ومكة ليست مكاناً للاجتماع فقط، بل عنواناً لرسالة.

ختاماً، اللهم في هذا الشهر الفضيل، كما جمعت المسلمين على قبلتك، فاجمع قلوب قادتنا على كلمةٍ سواء، ووحد صفوف دول مجلس التعاون، واحفظ المملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج من كل سوء، وأدم علينا نعمة الأمن والاستقرار، واكتب لقادتنا التوفيق والسداد في القول والعمل. اللهم اجعل اجتماعهم إن اجتمعوا اجتماع خيرٍ وبركة، وألّف بين قلوبهم، وانصرهم بنصرك، واكفهم شر المعتدين وكيد الحاقدين. اللهم آمين يا رب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.