في اليوم الثالث،
استيقظت على صوتٍ خشنٍ يخترق الصمت.
كان صوت الشرطي ينادي من خلف الباب الحديدي، وصوت المفاتيح يسبق اسمي. للحظةٍ قصيرة، قفز قلبي إلى احتمالٍ أكثر رحمة: ربما عائلتي جاءت. ربما حدث شيء، وربما سيسمحون لي برؤيتهم.
لكن الوقت كان مبكراً جداً على ميعاد الزيارة.
الصباح لم يكتمل بعد، والضوء كان لا يزال شاحباً، كأنه هو أيضاً مترددٌ في الدخول إلى هذا المكان.
نهضت ببطء.
كل حركةٍ كانت ثقيلةً، كأن جسدي لم يعد يخصني بالكامل.
فتح الباب، وأشار إليَّ أن أخرج.
لم يكن في صوته قسوة، لكنه لم يكن يحمل أي شيءٍ إنساني أيضاً. مجرد أداءٍ لوظيفة. مجرد إجراء.
سرت خلفه في الممر الضيق، وصدى خطواتي يسبقني هذه المرة. أدخلني إلى مكتبٍ صغير، بالكاد يتسع لطاولةٍ وكرسيين. كانت هناك أوراقٌ مبعثرة، وملفٌّ كبيرٌ أسود على الطاولة، يشبه شيئاً رأيته في الأفلام فقط.
قال لي بهدوء:
"بصّمي".
نظرت إليه دون أن أفهم.
أشار إلى الجهاز.
"بعشرة أصابعك".
في تلك اللحظة فقط تذكرت كلام صديقتي.
كانت قد قالتها لي ذات يومٍ بخفة، وكأنها تحكي عن إجراءٍ روتيني:
"إذا أخذوا بصماتك يعني خلاص. تدخلين السجن."
حين وضعت إصبعي الأول على الجهاز، لم تسقط دموعي.
كنت أراقب الخطوط الدقيقة على جلدي تُطبع على الشاشة، وأفكر:
هل يمكن لخطوطٍ صغيرةٍ كهذه أن تختصر إنساناً كاملاً؟
إصبعاً تلو الآخر.
لم أبكِ.
لم أصرخ.
كنت هادئةً بشكلٍ مخيف.
ليس لأنني شجاعة، بل لأن الصدمة أحياناً تجمّد المشاعر بدلاً من أن تفجّرها.
عدت إلى الزنزانة، وأنا أحمل معنىً جديداً لم أكن أريده.
لم أعد "محتجزة".
أصبحت رسمياً في طريقٍ إلى السجن.
وفي صباح اليوم التالي، بينما كنت أرتب عباءتي بلا سبب، سمعت اسمي يُصرخ من جديد. هذه المرة كان الصوت أعلى، أكثر حدةً، كأنه يقطع الهواء.
وقفت فوراً.
لبست عباءتي بيدين ترتجفان بالكاد تُرى.
خرجت.
قال لي دون أن يرفع عينه من الورق أمامه:
"ستذهبين إلى السجن."
لم يحتج الأمر إلى شرح.
لم يحتج إلى تفاصيل.
كلمتان فقط.
لكنني شعرت كأن قلبي سقط من مكانه إلى مكانٍ أبعد من صدري.
السجن.
الكلمة التي كنت أسمعها في الأخبار، في القصص، في حكايات الآخرين أصبحت تخصني أنا.
سرت نحو سيارة الشرطة.
حين جلست في المقعد الخلفي، أدركت فجأةً أن المسافة بين بيتي ومركز الشرطة الجنوبية لا تتجاوز تسع دقائق.
تسع دقائق فقط.
تسع دقائق تفصل بين حياتين.
بين سريري ووسادتي وبين هذا المقعد الصلب.
بين اسمي كما أعرفه واسمي كما سيُكتب في ملف.
تحركت السيارة.
كنت أنظر من النافذة، أرى الطرق التي أعرفها جيداً. الإشارات. الأرصفة. المحلات التي مررت بها مئات المرات.
كل شيءٍ بدا طبيعياً بشكلٍ مستفز.
العالم لم يتوقف لأنني ذاهبةٌ إلى السجن.
لم تتغير السماء.
لم يتبدل لون الصباح.
كنت أنا فقط التي تغيّرت.
وكان الأمر شديد الصعوبة.
أصعب مما تخيلت يوماً.
ليس لأنني بطلةٌ تُقتاد بشجاعةٍ إلى مصيرها.
وليس لأنني قويةٌ كما يبدو من الخارج.
كنت فقط أتماسك لأنني لا أعرف كيف أنهار أمام غرباء.
لم أذهب إلى السجن لأنني مجرمةٌ خطيرة.
لم أكن صاحبة قضيةٍ كبرى.
لم أكن رمزاً ولا صوتاً ثورياً.
كنت مجرد كومبارس.
اسمٌ عابرٌ في مشهدٍ أكبر مني.
كتبت تغريدةً قديمةً جداً جداً ساخرةً، مضحكةً في وقتها، ونسيتها في أرشيف الحساب.
لكن الكلمات، كما اكتشفت متأخراً، لا تموت دائماً كما نظن.
بعضها يبقى.
ينتظر لحظته.
واللحظة جاءت.
جلست في السيارة، وداخلي سؤالٌ واحد فقط:
كيف يمكن لجملةٍ عابرةٍ كُتبت بخفة أن تغيّر ثقل الحياة كله؟
لم أكن بطلة.
ولم أكن شريرة.
كنت إنسانةً عاديةً جداً.
لكن في ذلك الصباح، كنت في طريقٍ لا يشبه أي طريقٍ سلكته من قبل.

