: آخر تحديث

من صراع النفوذ إلى توريط الجوار

4
3
2

في لحظات الانفجار الإقليمي، لا يكون الخطر في الصواريخ وحدها، بل في المنطق الذي يبرر اتساع مداها، وهذا هو أخطر ما يطلّ اليوم من مشهد الصراع بين إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، إذ لم يعد التوتر محصوراً بين أطرافه المباشرين، بل أخذ يتمدد نحو مدنٍ ودولٍ لم تدخل الحرب أصلاً، فقط لأنها تضم قواعد أميركية، أو بعثات دبلوماسية، أو مصالح غربية، أو لأنها اعترضت خطراً مرّ في أجوائها، وهنا لا يعود السؤال عسكرياً فقط، بل أخلاقياً وسياسياً أيضاً: ما علاقة أربيل ودبي والرياض والكويت والمنامة بهذا الصراع أصلاً؟

الأخطر أن جزءاً مهماً من هذا التهديد لا يمرّ عبر الدولة الإيرانية وحدها، بل عبر فصائل وميليشيات مسلحة داخل العراق، نصبت نفسها طرفاً في الحرب، وقررت أن تزجّ البلاد ومكوناتها في معركة تتجاوز الدولة ومؤسساتها وإرادة شعبها، وبهذا لم يعد الخطر خارجياً فقط، بل صار داخلياً أيضاً، حين تتحول أراضي العراق إلى منصات رسائل بالنار، وتصبح مدنه، وفي مقدمتها أربيل، أهدافاً محتملةً في حربٍ لم تخترها.

هنا يصبح التفريق واجباً، لا بين تغيير نظامٍ سياسي وتحطيم دولةٍ فحسب، بل بين الدفاع المشروع عن النفس والاعتداء على دولٍ وشعوبٍ خارج منظومة الصراع المباشر، فإذا كان النزاع قائماً بين إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، فأي منطق يبرر قصف مدنٍ آمنةٍ أو استهداف مصالح داخلها بذريعة وجود قواعد أميركية، أو بحجة أن حكوماتها اعترضت صواريخ وطائرات استخدمت أجواءها؟ إن هذا ليس دفاعاً عن النفس، بل توسيعٌ للعدوان، وتوريطٌ قسريٌّ لدولٍ أرادت أن تبقى خارج الحريق، فحين تتحول الجغرافيا العربية إلى ساحة رسائل بالنار، لا نكون أمام ردٍّ مشروع، بل أمام صراع نفوذٍ مفتوحٍ تدفع ثمنه شعوبٌ لا ناقة لها فيه ولا جمل.

ومن هنا تبدو مأساة أربيل أكثر وضوحاً، فهذه المدينة ليست رأس حربةٍ في الحرب، بل عاصمة لإقليمٍ لعب خلال السنوات الماضية دوراً إيجابياً في تهدئة التوترات، وحافظ على علاقاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ متوازنةٍ مع إيران، كما حافظ في الوقت نفسه على شراكاته الدولية، فلقد حاول إقليم كوردستان أن يكون مساحة تواصلٍ واستقرار، لا ساحة تصفية حسابات، ومع ذلك تتعرض عاصمته للتهديد والقصف على مدار الساعة، لا لأنها أعلنت الحرب، بل لأنها في نظر بعض الفصائل والجهات المتطرفة تمثل عنواناً للاستقرار والانفتاح والحضور الدولي.

إنَّ المنطقة لا تحتاج إلى حربٍ تتخفى باسم الردع، ولا إلى ردعٍ يتحول إلى معاقبة المدن الآمنة، فما يجري يكشف، في جوهره، أن الأطراف المتصارعة لا تدافع فقط عن أمنها، بل عن مناطق نفوذها، وغالباً على حساب شعوب هذه الدول المسالمة، وبدل أن يبقى الاشتباك ضمن حدوده المعروفة، يجري توسيعه ليطال مجتمعاتٍ لا مصلحة لها فيه، ولا دور لها في إشعاله.

والخلاصة أن الدفاع عن النفس لا يكون بتدمير أمن الآخرين، ولا بتحويل مدنٍ مستقرةٍ إلى أهدافٍ جانبية، وما دامت أربيل ودبي والرياض والكويت والمنامة تُدفع إلى قلب هذا الحريق، فإننا لا نكون أمام حربٍ بين خصوم مباشرين، بل أمام عدوانٍ يتنكر بلباس التبرير، وحين يصبح الاستقرار نفسه جريمةً، تصبح المنطقة كلها رهينةً لصراعٍ لا يريد أن ينتصر بقدر ما يريد أن يعمّم الخراب.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.