بينما يكتنف الغموض الاتفاق الأميركي - الإيراني الذي تتناوله تحليلات وتعليقات لا حصر لها، تذهب في تعارضها أحياناً إلى الحدّ الأقصى، وبينما تتقدّم المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية وتحقق «اتفاقها الإطاريّ»، تعود المسألة اللبنانية لتجد نفسها في صلب الصراعين الإقليمي والدولي. والسؤال الأساسيّ هنا: هل تذهب الرياح العاتية في نهاية المطاف، في اتجاه المشروع اللبناني أم المشروع الإقليمي الإيراني في لبنان؟
في ضوء تاريخية الصراع، طوال 165 عاماً، بين المشروع اللبناني الذي هو نفسه منذ البداية إلى اليوم، والمشروع الإقليمي المتغيّر مع تبدّل الأزمان، من العثماني إلى السوري الفيصلي إلى البعثي الوحدوي الشامل إلى القومي السوري إلى الناصري - العرفاتي إلى السوري الأسدي وصولاً إلى الإيراني الإسلامي، وربما بعد حين إلى المشروع التركي، أظهرت حركة التاريخ ذهابها آخر المطاف في اتجاه المشروع اللبناني، على الرغم من المآزق العديدة، الأكثر خطورة من المأزق الحالي، التي مرّ بها هذا الصراع. لكن ذلك لا يؤكّد النتيجة النهائية اليوم أيضاً. فحركة التاريخ تتداخل فيها عوامل كثيرة معقّدة، ومفاجآت وتحوّلات وانقلابات، يعلّق عليها أنصار المحور الإيراني في لبنان، كما في إيران وفي كل المنطقة، أكبر الآمال.
منذ عشرين عاماً يشهد المشروع اللبناني تعثّراً واضحاً في استعادته ذاته، على الرغم من العوامل البالغة الأهمية المؤاتية له. فبعد «ثورة الأرز» المليونية وانسحاب الجيش السوري على نحو شبه عجائبي من لبنان عام 2005، خان معظم قادة الحراك الشعبي الكبير آماله وروحيته. فوراء شعارات موهومة مثل «لبننة حزب الله»، أو «صون الوحدة الوطنية»، تمّت مقايضات نفعية بحتة مع الحزب، خصوصاً عبر «التحالف الرباعي» ثمّ «اتفاق مار مخايل»، استكمل الحزب عبرها وراثته البعث الأسدي في لبنان. ثم جاء «توافق 2016 الرئاسي» لتكمل معظم أطرافه المهمة. وعلى مدى سنين طويلة، كانت المعادلة الفعلية هي التالية: «نؤيّد مواقفكم أو نسكت عنها، لقاء مشاركتنا الاستفادة من ثروات البلاد ومواردها ووظائفها ومراتبها»، ما دفع لبنان في نهاية المطاف إلى هاوية الانهيار الاقتصادي والمالي، ووضعه في أدنى سلّم دول العالم.
وبعد هجوم «طوفان الأقصى» 2023 وما تلاه من حروب واحتلالات وكوارث، شهد المحور الإيراني في مصدره وفي تشعباته في المنطقة الكثير من الاختلال، ما أتاح وصول سلطة تنفيذية لبنانية أخذت على عاتقها استقلالية القرار، وحصر السلاح في يد الدولة وحدها، معتبرة الجناح العسكري لـ«حزب المحور» في لبنان تنظيماً خارج القانون، ثم انطلقت في مفاوضات سياسية وعسكرية مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، هي موضع رفض شديد من المحور الإيراني... إلى أن برز الاتفاق الأميركي - الإيراني الأخير. وفي سياق ذلك كلّه كان السقوط المدوي للنظام السوري.
في ضوء هذه المسارات المتعدّدة، يشهد الصراع بين المشروع اللبناني والمشروع الإقليمي الإيراني «هبّة سخنة، هبّة باردة». كان أمين عام «حزب المحور» يشيد بالاتفاق الأميركي - الإيراني ويرى فيه انتصاراً عظيماً ودحراً باهراً للعدوان. ووصلت به الحماسة إلى الإعلان بأنّ «إيران تصنع الآن المستقبل، ليس لنفسها فقط، بل للمنطقة كلّها أيضاً». لكنه لم يكد ينهي خطبته حتى تمّ التوقيع في العاصمة الأميركية على «الاتفاق الإطاري» بين لبنان وإسرائيل، فانتقل مسؤولو حزبه إلى التنديد الشديد بما حدث وصولاً إلى التلويح بالحرب الأهلية، مطلقين جموع الدراجات النارية الغاضبة في شوارع بيروت... فمن سخرية القدر أن الرهان الأهم الآن هو حول ما يوليه «الشيطان الأكبر» من دور، أو من إقصاء لإيران، في الشأن اللبناني.
ماذا بعد؟ مهما يكن من أمر في نتائج الأيام الستين من التفاوض الأميركي - الإيراني، فثمة حقيقة معروفة منذ البدء، باتت جليّة أكثر بعد هذا الخراب العميم: لا مجال لأي التقاء بين المشروع اللبناني والمشروع الإيراني في لبنان، اللذين تفصل بينهما هوّة لا تُردَم. من جهة، حريّة، وتعدّدية، وانفتاح عريق على الحداثة والغرب، وأولوية لنوعية الحياة البشرية. ومن الجهة الأخرى، نظام ولاية الفقيه المذهبي، الشديد الأحادية، التوتاليتاري والتسلّطي، والواقع خارج الحداثة والعصر.
المهم أن تبقى للمشروع اللبناني مساحة جغرافية تنير طريقه ويكمل فيها تحقيق ذاته. وله الآن معظم جغرافية «لبنان الكبير»، وغداً أكثر.

