يجسد المشهد البصري والبروتوكولي والنفسي لحدث تشييع جنازة المرشد السابق علي خامنئي، والمنقول تلفزيونيًا، حالة استثنائية تتجاوز كونها مجرد وداع جنائزي رسمي. كان المشهد يختزل عمقًا أبعد يعيد رسم جغرافيا القوى في طهران، حيث برزت لوحة بالغة التعقيد، مشحونة برسائل سياسية واستراتيجية حاسمة تتشابك خيوطها لتعكس صراع أجنحة الحكم، وتفكك مآلات النفوذ، وتستشرف مستقبل مفاصل القرار التي تُطبخ خلف الكواليس.
لقد حملت هندسة المشهد وتموضع الشخصيات في العزاء من الناحية البصرية والبروتوكولية رسائل بليغة تجسد خريطة القوى، إذ تقدّم تيار الدولة والسياسة، ممثلًا في مسعود بزشكيان وعباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف، إلى المنطقة الأهم والأكثر وضوحًا في العزاء، وهو وجود يعكس نفسيًا وبوضوح رغبة في إظهار وجوه أكثر توازنًا وقدرة على التعاطي مع المتغيرات القادمة، بينما في المقابل جاء أحمد وحيدي من بعيد ولم يكن واضحًا في موقع العزاء كما هو متوقع لشخصية بوزنه العسكري.
وسط هذا الفرز البصري الحاد، يطرح غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن صدارة هذا المحفل الجنائزي المهيب علامة استفهام استراتيجية كبرى حول ما إذا كانت هناك ترتيبات وتفاهمات معقدة قد تم التوافق عليها داخليًا وإقليميًا ودوليًا بخصوص مستقبل الحكم وشكل السلطة في طهران قبل بدء مراسم التشييع، مما جعل التموضع في العزاء مجرد إعلان مبدئي عن موازين القوى الجديدة، حيث يبدو أن غياب رأس الهرم الجديد وتصدّر التيار السياسي يشير إلى رغبة في إرسال رسائل طمأنة للخارج بأن المرحلة المقبلة ستقاد عبر قنوات دبلوماسية وسياسية كلاسيكية، وليس عبر فوهات البنادق ولغة التصعيد.
وأمام هذه الهندسة السياسية التي بدت وكأنها تسحب البساط من تحت أقدام المعسكر المتشدد، جاء رد الفعل العسكري سريعًا ومتماشيًا مع رغبة جارفة في كسر هذا الحصار الصامت، حيث تعمّد قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي الخروج بتصريح مستفز وصادم، جاء خارجًا تمامًا عن كل الأعراف الدبلوماسية والبروتوكولية الصارمة المعمول بها في مثل هذه الجنازات التاريخية، فلم يكن هذا السلوك مجرد انفعال عابر بل بدا كأنه ترتيب مسبق ومقصود لفرض حضور إعلامي قسري.
وبالرغم من أن هذه المناسبات الكبرى تُعد مساحات للصمت والتعزية والالتزام بالوقار وليست منصات لإطلاق المواقف السياسية، إلا أن وحيدي تعمّد كسر هذا العرف ليخرج لوسائل الإعلام مستغلًا المناسبة لتعزيز التموضع العسكري وإطلاق التهديد والوعيد دون مراعاة للبروتوكولات والأطر الدبلوماسية، في محاولة واضحة لرفض الانكفاء وللقول بأن الحرس لا يزال يملك القدرة على خطف الأضواء وفرض أجندته حتى في لحظة غياب الراعي الأول، فضلًا عن كون هذا الاختراق الإعلامي المستفز أداة تعويضية لاستعراض القوة بعد التراجع البصري خلف رجال السياسة، وتوجيه رسالة حاسمة بأنه سيفشل أي تحرك للعودة إلى الدولة الطبيعية والتصالح مع العالم، ومقاومة أي توافقات دولية قد تحد من صلاحياته وإمبراطوريته.
يؤكد هذا السلوك أن استماتة الحرس الثوري في فرض خطابه المتشدد في هذا التوقيت الحرج لا تنبع من الدفاع عن العقيدة أو المبادئ، بل هي دفاع شرس عن النفوذ ومفاصل القرار في مرحلة انتقالية حساسة، وحماية للإمبراطورية المالية والشركات ومنابع الثروة التي يسيطر عليها نتيجة هيمنته طوال عقود مضت، والتي حظيت بدعم مطلق ومباشر من المرشد السابق علي خامنئي.
ويجسد هذا الارتباك والتوجس في معسكر الحرس الثوري حالة من الخوف من المرحلة الجديدة التي تتشكل تحت ضغوط معقدة، حيث لم يعد هذا التراجع ناتجًا عن ضغط خارجي فحسب، بل هو نتاج ضغط مركب يتناغم فيه البعد الإقليمي والدولي الساعي إلى تهدئة الأزمات مع الضغط الداخلي، وهو الأهم، والمتمثل في الانعكاس المعيشي الخانق والأزمة الاقتصادية الحادة التي تعيشها الدولة، إذ لم يعد الداخل الإيراني قادرًا على تحمل تكلفة المغامرات العسكرية للحرس الثوري.
نعم، كانت المناسبة تشييعًا في ظاهرها، لكنها في عمقها ألقت ضوءًا كاشفًا على ما يحدث خلف الكواليس وفي مفاصل النفوذ داخل مناطق الحكم والقرار. وبالرغم من أن الحرس الثوري سيصارع حتى النهاية للحفاظ على مكاسبه، إلا أن حركة الزمن والضغوط الداخلية المتفجرة والتحولات الدولية كفيلة بأن تغير الشيء الكثير في طهران، لتثبت الأيام أن الجنازة لم تكن مجرد وداع بل كانت المنصة الأولى لجس نبض مرحلة ما بعد خامنئي واختبارًا علنيًا لصلابة التوافقات المفترضة خلف الكواليس.


