تعرّفتُ على خامنئي شخصياً في طهران عندما كنتُ مدرّساً في جامعة طهران، وكان حينها رئيساً للجمهورية.
كان الخميني هو الزعيم الأوحد ذو الصلاحيات المطلقة "ولي الفقيه"، وحوله رجال يقدّسونه نائباً عن المهدي الغائب المنتظر.
اهتمّ الخميني بالعراق كثيراً، فكان يهاجم حزب البعث في أكثر خطاباته ويسمّيه بـ"الكافر"، ويدعو الشعب العراقي إلى الثورة عليه تأسّياً بالثورة الإيرانية، داعياً إلى تصديرها إلى كل الشعوب المستضعفة والحرة تمهيداً لظهور المهدي المنتظر. وهكذا كان يعتقد الكثير من شباب الثورة الحماسي أن الخميني لن يموت حتى يسلّم الراية إلى المهدي المنتظر.
وعرف الخميني كيف يستغلّ ذلك أكبر استغلال ليقول لهم دائماً إنه على تواصل بالمهدي المنتظر الذي يدعمه ويؤيده ويزوره، وكان هذا العنوان كافياً لديمومة الحرب والثورة.
من هوس الخميني بالعراق وبإسقاط صدام حسين، قام بتأسيس مجلس يضم العراقيين بمختلف أطيافهم كقيادة للعراق باسم "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق"، وقد كتبتُ تاريخه في كتابي "الإسلام السياسي في العراق".
كان يضمّ المجلس مختلف التيارات حتى الليبرالية والشيوعية، وفيه حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي وتيارات كثيرة، وكان رئيسه في السنوات الأولى محمود الهاشمي الشاهرودي، الذي بعثه محمد باقر الصدر برسائله التأييدية للخميني والثورة الإسلامية. ثم صار رئيساً للسلطة القضائية بإيران، وكان يقوم بتدريس خامنئي في بيته الفقه والأصول البحث الخارج يوم الثلاثاء لمنح خامنئي درجة الاجتهاد والمرجعية. لذلك كان من الأشخاص المطروحين مرشداً بعد خامنئي.
أما الناطق الرسمي للمجلس الأعلى فقد كان محمد باقر الحكيم، الذي تحوّل لاحقاً إلى رئيس المجلس بعد خروج مختلف التيارات منه ليصبح حكيماً بامتياز.
وكان في المجلس "اطلاعات"، وهو رجل مخابرات منذ زمن الشاه، يعيق كثيراً من القرارات.
كما أسّس الخميني عدة مؤسسات خاصة بالعراق منها "مدرسة الهادي" برعاية الشيخ المشكيني، رئيس مجلس الخبراء في اختيار المرشد ومحاسبته، وبإدارة محمود الهاشمي الشاهرودي لتخريج القضاة الذين سوف يحكمون العراق برعاية ولاية الفقيه.
نرجع إلى المجلس الأعلى، حيث كان أهم شخص في المجلس هو ممثل الخميني في المجلس، وهو خامنئي لأنه يجيد اللهجة العراقية واللغة العربية، فقد وُلدت أمه بالعراق وعاش فيه فترةً وجيزةً.
العراقيون لم يكونوا يعرفون ذلك، وبطبيعتهم يمزحون ضد الإيرانيين بطرائف قوية، بينما خامنئي لا يظهر أي انعكاس عليه، حتى عرفوا بالصدفة المحضة أن خامنئي يجيد اللهجة العراقية ومزاحها، فخجلوا أيما خجل.
كان خامنئي يجلس جلسات سمر يدعو إليها البعض الذين أعرفهم، وهنا عرفته منفتحاً مازحاً يشرب السيجار ويعزف الموسيقى ويحب الشعر والطرب، وعندما سمع عن محاضرتي حول الإصلاحي الكبير علي شريعتي أخبرني أنه كان ورفسنجاني يلاحقانه في محاضراته بمشهد وشيراز وحسينية إرشاد بطهران. علماً أن إرشاد أكبر مراكز للتنوير والإصلاح بإيران، وقد تحققتُ من صدق متابعتهم وعشقهم لشريعتي.
كتبتُ في بعض كتبي بالإنكليزية حواراتٍ معه ومع غيره يصعب كتابتها بالعربية.
المهم من الأمر كيف تحوّل هذا الوديع اللطيف المنفتح على الحياة وعلى الفن والموسيقى والأدب وشريعتي قبل ولاية الفقيه إلى طاغوتٍ جبارٍ يقوم بكل هذه الجرائم والمجازر بلا رحمة ولا إنسانية، وكأنه شخص آخر مختلف عنه، أم أن السلطة والحكم وولاية الفقيه حوّلته إلى طاغوت.


