يشكّل اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية الذي يصادف 20 شباط (فبراير) من كل عام مناسبةً فكريةً لإعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها انتظامنا الجماعي، وفي مقدّمتها العلاقة المتوتّرة بين النزعة الفردانية ومتطلبات العيش المشترك. غير أنّ أي تأمّل جاد في أفق التقدّم الاجتماعي يظلّ ناقصًا ما لم يتجاوز عائقين متلازمين: تعاظم النزعة الفردية من جهة، وتصاعد الاستقطاب الإيديولوجي من جهة أخرى. فهذان العاملان لا يهدّدان فقط إمكان تحقيق العدالة، بل يمسّان البنية العميقة لفكرة المجتمع ذاتها.
إنّ الانطلاق من مبدأ احتياج البشر بعضهم إلى بعض لا يُعدّ مسلّمةً أخلاقيةً فحسب، بل هو حقيقة أنثروبولوجية تؤكّدها الخبرة التاريخية والمعاصرة. فالعلاقات الإنسانية لا تختزل في منطق التبادل النفعي، ولا يمكن للسوق، مهما اتّسعت آلياته، أن يستوعب مجمل أبعاد الحياة الاجتماعية. إنّ القول بأن "ليس حسنًا أن يكون الإنسان وحده" لا ينبغي أن يُفهم بوصفه توصيفًا وجدانيًا فحسب، بل باعتباره تأسيسًا لواجب الرعاية المتبادلة؛ ذلك الواجب الذي يتجاوز التعاطف العابر إلى التزام أخلاقي مستقرّ يقتضي منّا أن نُسهم في صون كرامة غيرنا وحمايتهم عند الحاجة.
إنّ تجاوز الفردانية لا يعني إنكار خصوصية الفرد أو التقليل من شأن حريته، بل يقتضي إعادة تأطيرها ضمن أفق علائقي. فالفردانية حين تنقلب إلى خوف من الآخر، وتغذّي تصوّرًا تنافسيًا للوجود، تُفضي إلى الشك المنهجي في النوايا، وإلى اختزال العلاقة الإنسانية في احتمال الخسارة. غير أنّ تعميم الشك بناءً على تجربة سلبية واحدة يُعدّ مغالطةً منطقيةً وأخلاقيةً في آن. فالثقة، وإن كانت عرضةً للخيبة، تظلّ شرطًا إمكانيًا لقيام أي رابطة اجتماعية ذات معنى.
ويحسن في هذا السياق استحضار التباين الكلاسيكي بين التصوّر الأرسطي للإنسان بوصفه "كائنًا اجتماعيًا بطبعه"، والتصوّر الهوبزي الذي يرى في الإنسان كائنًا ميّالًا إلى الصراع، بحيث يغدو "الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان". فبين هذين المنظورين يتحدّد مسار فهمنا للعدالة. فإذا أُخذ بالموقف الأرسطي، فإنّ العدالة لا تنحصر في احترام الحقوق الفردية، بل تمتدّ إلى تحمّل التزامات إيجابية تجاه الآخرين، ولا سيّما الأشدّ هشاشةً. ويجد هذا المبدأ صداه في تشريعات تُلزم الأفراد بتقديم العون في حالات الخطر، بما يعكس إدراكًا قانونيًا للطابع الاجتماعي للإنسان.
أمّا إذا اعتُمد المنظور المتشائم، فإنّ الحذر يتحوّل إلى قاعدة، ويغدو تقديم العون مشروطًا بالعقد والمقابل. في هذه الحال تُختزل الرعاية في خدمة مؤدّاة لقاء أجر، وتتحوّل العلاقة بين مقدّم الخدمة ومتلقّيها إلى معادلة سعرية بحتة. غير أنّ الخلط بين "السعر" و"القيمة" يُفضي إلى إفراغ الفعل الإنساني من مضمونه الأخلاقي. فثمّة أفعال، وإن أمكن تحديد أجرها، لا يُستنفد معناها في المقابل المادي الذي تتقاضاه. إنّ الامتنان الذي يُبديه الناس تجاه من يتجاوزون حدود الواجب الوظيفي يبرهن على أنّ الاعتراف المعنوي يظلّ عنصرًا لا يمكن تسعيره.
ومن ثمّ، فإنّ النقاش حول العدالة الاجتماعية لا ينبغي أن يُختزل في آليات التوزيع أو في كفاءة الأداء، بل يتطلّب منظورًا يتجاوز الحسابات التقنية إلى إدراك البعد الإنساني الذي يشدّنا بعضنا إلى بعض. إنّ النظر إلى الآخر باعتباره خصمًا أو تهديدًا يقوّض إمكان بناء فضاء عام قائم على التعاون. وفي المقابل، يتيح الاعتراف المتبادل فسحةً للعطاء المجاني، ولتبادل الشكر، ولمشاركة الموارد المادية والرمزية على السواء.
ويتغذّى الاستقطاب، في جوهره، من إنكار هذا البعد الاجتماعي ومن ترسيخ منطق الانقسام الثنائي. إذ يتحوّل المجال العام إلى ساحة صراع بين كتل متقابلة، لا بين أفكار قابلة للنقاش. وتُستبدل الشراكة بالاصطفاف، ويُختزل الانتماء في الولاء لجماعة مغلقة تُعفي الفرد من عناء التفكير النقدي. وهكذا يُستبدل الاجتهاد الشخصي بالتبعية، ويُهمَّش النداء الكانطي إلى الجرأة على استخدام العقل استخدامًا مستقلًا.
ومع ذلك، تظلّ هناك مساحات مقاومة لهذا المنحى. فبعض المنظمات غير الحكومية والمبادرات المدنية تنطلق من فرضية الثقة بالإنسان، وتؤسّس عملها على التطوّع والإيثار. وهي، وإن استلزمت الكفاءة والتنظيم، لا تختزل فعلها في المهنية الباردة، بل تضيف إليه بعدًا علائقيًا يتمثّل في المرافقة الإنسانية والاعتراف المتبادل. فالعين التي تنظر في عين المتألّم، والكلمة التي تُقال لمواساته، تمثّلان بعدًا لا تُحيط به التقارير ولا يُقاس بالموازنات.
إنّ الإقرار بأنّنا لسنا أفرادًا معزولين، بل ذواتًا متشابكة المصائر، يفتح أفقًا أوسع لفهم العدالة الاجتماعية بوصفها مشروعًا جماعيًا. فكثرة الحاجات واستمرار مظاهر الظلم في العالم لا تبرّر الانكفاء، بل تستدعي توسيع دوائر التضامن وتجاوز الحدود الضيقة، سواء كانت قوميةً أم إيديولوجيةً. إنّ القدرة على النظر إلى الواقع بعين تتخطّى الحواجز المصطنعة هي الشرط الأول لإعادة بناء الثقة، ومن ثمّ لإرساء عدالة لا تقوم على التوازنات الشكلية فحسب، بل على الاعتراف العميق بإنسانية الإنسان.


