: آخر تحديث

الحركة الخمينية: هل حان وقت كتابة شهادة الوفاة؟

2
2
2

هل حان وقت كتابة شهادة وفاة الحركة الخمينية؟ سؤال يتردد بقوة هذه الأيام في الأوساط السياسية والأكاديمية، ليس فقط في دوائر المعارضة الإيرانية، بل داخل إيران نفسها، وحتى بين المحللين الغربيين الذين يراقبون المشهد الإيراني عن كثب. لكن السؤال اليوم لم يعد نظرياً، فقد فرضت الأحداث نفسها بقوة على أرض الواقع.

في الساعات الأولى من صباح السبت 28 شباط (فبراير) 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل موجة من الضربات الجوية المكثفة على أهداف متعددة في العاصمة طهران ومدن أصفهان وقم وكرمانشاه وتبريز. استهدفت الضربات وزارة الاستخبارات ووزارة الدفاع ومنظمة الطاقة الذرية ومجمع بارشين العسكري. والأكثر دلالة، أن الانفجارات دوت بالقرب من مكاتب المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي نُقل على وجه السرعة إلى مكان آمن خارج طهران.

لكن الأخبار الأكثر صدمة جاءت بعد ساعات: إعلان مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في الضربات المشتركة، لتعلن إيران الحداد الوطني لمدة 40 يوماً وتتوعد بالرد على هذه "الجريمة الكبرى". تقارير أولية تشير إلى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان كان أيضاً ضمن الأهداف المحتملة للهجوم، بالرغم من نفي مكتب نائب الرئيس تعرضه للأذى.

الولايات المتحدة لم تترك مجالاً للشك في أهدافها. في تسجيل فيديو مصور بثه على منصته "تروث سوشال"، حث الرئيس دونالد ترامب الشعب الإيراني على "الاستيلاء على حكومتكم"، واصفاً النظام في طهران بأنه "نظام إرهابي". من جانبه، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن العملية تهدف إلى "إزالة التهديد الوجودي" الذي تمثله الجمهورية الإسلامية، و"تهيئة الظروف" للإيرانيين لتغيير مصيرهم. في نيويورك، اتهم السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إيران بمحاولة اغتيال الرئيس ترامب، وشدد على أن "الشعب الإيراني يحتفل في الشوارع حول العالم".

هذه التطورات الدراماتيكية تضعنا أمام تساؤل جوهري: هل ما نشهده هو اللحظة التاريخية الفاصلة التي تودع فيها إيران 47 عاماً من حكم ولاية الفقيه؟ وهل ستنجح الخطة الأميركية الواضحة في إسقاط النظام وصولاً إلى شخصية "يتفق عليها الإيرانيون وترضى عنها أميركا والمجتمع الدولي"؟

للإجابة على هذا السؤال بدقة، لا بد من العودة إلى التاريخ ومقارنة مسار هذه الحركة بالثورات الكبرى في القرن العشرين. فبعد 40 عاماً من الثورة البلشفية، كانت روسيا قد تحولت إلى قوة عظمى تغزو الفضاء وتنتصر في أعتى الحروب. وبعد 40 عاماً من الثورة الماوية، كانت الصين قد أطلقت مسيرتها لتصبح أكبر اقتصاد في العالم. أما الثورة الخمينية، فبعد أكثر من 46 عاماً، تفشل في تصدير نموذجها إلى بلد واحد، وتترك إيران أفقر وأكثر هشاشة مما كانت عليه في عهد الشاه. والأكثر إدانةً، أن أولوية النظام اليوم، كما يعترف دبلوماسي إيراني رفيع المستوى، ليست الكرامة أو السيادة، بل مجرد "البقاء"، حيث يقول هذا الدبلوماسي السابق في المخابرات صراحة: "الأولوية الحقيقية للمرشد الأعلى وحكومتنا هي البقاء، ليس الكرامة، ولا السيادة، ولا السلام، مجرد بقاء خام وعاري".

لكن الحديث عن الموت السريري لهذه الحركة لا يمكن فهمه دون النظر إلى العامل الاقتصادي المدمر الذي ينهش في جسد إيران من الداخل. فإذا كان هناك عامل واحد يمكنه أن يكتب شهادة وفاة أي نظام، فهو الاقتصاد. والحركة الخمينية التي وعدت بالعدالة والاستقلال الاقتصادي، تركت إيران تعاني من إهدار مذهل للثروة الوطنية، حيث أنفقت أكثر من تريليون دولار على دعم شبكات في غزة ولبنان والعراق وسوريا واليمن، أموال كان يمكن أن تبني مستشفيات ومدارس وجامعات، ذهبت إلى صواريخ وميليشيات وموت. هذا الإهدار تزامن مع تفاقم الفجوة الطبقية بشكل غير مسبوق، فالصراع في إيران اليوم ليس سياسياً فقط، بل هو صراع بين "الأغنياء الجدد" المرتبطين بالدولة والمؤسسات الثورية، و"الفقراء الجدد" الذين أنهكتهم العقوبات وسوء الإدارة. والمأساة أن النخبة الحاكمة تعيش في حالة انفصال تام عن الواقع، فبينما يصطف المواطنون العاديون في طوابير للحصول على اللحوم والدواء، تستمر هذه النخبة في نهب المال العام وإثراء رجال الدين والمقربين.

لكن المشكلة أعمق من الاقتصاد، إنها مشكلة بنيوية في هيكل الحكم نفسه. أحد الأسباب الجوهرية لفشل الحركة الخمينية في ترسيخ نفسها هو ما يمكن تسميته "الفصام السياسي" الذي تعاني منه. فالنظام لم ينجح في تدمير الدولة الإيرانية التاريخية التي تطورت على مدى خمسة قرون، بل خلق أجهزة موازية تتعارض أهدافها وطريقة عملها مع أهداف الدولة. هذه الازدواجية تخلق توتراً دائماً، وتؤدي إلى مأزق مؤسسي خطير، حيث يشرح الصحفي الإيراني نادر صادقي هذا المأزق بقوله: "طالما أن إيران لديها سلطات متوازية، وصناع قرار ومنفذون متوازيون، فلا يمكن محاسبة أحد. النتيجة هي أن من يملكون السلطة لا يتحملون المسؤولية، بينما من يتحملون المسؤولية لا يملكون سلطة". هذا التشخيص الدقيق يكشف لماذا تعاني إيران من شلل مزمن في اتخاذ القرار، ولماذا تتراكم الأزمات دون حلول حقيقية.

ربما يكون أخطر تهديد للحركة الخمينية هو ذلك التغيير الديموغرافي والثقافي الذي يحدث بصمت ولكن بفاعلية مدمرة. إنه "الجيل زد"، الجيل الثالث الذي ولد بعد استيلاء الخميني على السلطة. هؤلاء الشباب، الذين يشكلون مع أجزاء كبيرة من الجيل الثاني ما يقرب من نصف السكان، يخوضون حرباً ثقافية وجودية ضد النظام. هذا الجيل لا يحمل ذاكرة الثورة ولا يقدس رموزها، وصراعاته الرئيسية تتمحور حول صراع الأجيال بين جيل الثورة الذي لا يزال يمسك بمعظم مفاصل السلطة، وجيل ما بعد الثورة الذي يريد حياة طبيعية، وصراع القيم بين الثقافة الأبوية التقليدية وفكرة المواطنة القائمة على الحقوق الدستورية. والمفارقة أن هذا الجيل لا يكتفي بانتقاد النظام الحاكم، بل يمتد نقده ليشمل حتى المعارضة التقليدية في الخارج، حيث يرى كثيرون أن قوى المعارضة، للأسف، تتصرف أيضاً كقوى ثورية ضد النظام بدلاً من أن تتحول إلى حركات سياسية قادرة على إدارة دولة قومية طبيعية وحل مشاكل مجتمع معقد.

اللافت للنظر أن الحديث عن "إغلاق الفصل الثوري" لم يعد حكراً على المعارضة في الخارج، بل أصبح يتردد بقوة داخل أوساط التيار الإصلاحي نفسه، أولئك الذين كانوا يعتبرون جزءاً من المشروع الخميني ولكنهم يسعون لإصلاحه من الداخل. سعيد حجاريان (المولود عام 1954، وهو على قيد الحياة بالرغم من محاولة اغتيال تعرض لها عام 2000 تركته مشلولاً)، أحد أبرز منظري الحركة الإصلاحية داخل النظام، يبشر الآن بـ "العصيان المدني" كوسيلة لاستعادة كرامة ومؤسسات الدولة، في خطاب يكاد يتطابق مع خطاب رضا بهلوي ولي العهد في عهد الشاه في المنفى. والأكثر دلالة، أن عباس عبدي، وهو شخصية إصلاحية بارزة أخرى، يحذر رفاقه الخمينيين من أن نظامهم في أزمة عميقة قد تصل إلى "حافة الانهيار"، ويقترح حلاً جذرياً: إغلاق فصل الثورة والسماح لإيران بتنظيم حياتها كدولة قومية. عندما يصل الخطاب الإصلاحي الداخلي إلى هذه الدرجة من الجرأة والمطالبة بتجاوز الثورة نفسها، فهذا يعني أن الشرعية قد انسحبت حتى من أوساط كانت تعتبر حليفة للنظام.

إذا نظرنا إلى التاريخ الإيراني من منظور المؤرخين الكلاسيكيين، نجد أن هناك خمس مراحل لظهور أي قوة جديدة في البلاد: الغزو، السيطرة، السيطرة الكاملة، الحكم، وأخيراً بناء الدولة بمؤسسات دائمة. المشكلة أن الثورة الخمينية توقفت عند المرحلة الرابعة، مرحلة الحكم، وفشلت في الوصول إلى المرحلة الخامسة، مرحلة بناء الدولة. النتيجة هي الفصام المزمن الذي نراه اليوم: إيران كدولة، وإيران كثورة، تعيشان في جسد واحد لكنهما تتنازعان بشراسة. هذه الازدواجية تجعل من المستحيل تحقيق الاستقرار الحقيقي أو التنمية المستدامة، لأن أي إنجاز يمكن أن تنقضه الآليات الثورية، وأي محاولة للإصلاح تواجهها الفيتوات الأيديولوجية.

لكن الأحداث الأخيرة تضيف طبقة جديدة من التعقيد. تقارير استخباراتية أميركية تشير إلى أن وكالة المخابرات المركزية (CIA) كانت قد أجرت تقييمات مكثفة قبل الضربات، خلصت إلى أنه في حال مقتل خامنئي، فإن البديل الأكثر ترجيحاً سيكون شخصيات متشددة من الحرس الثوري الإيراني. هذا السيناريو يعني أن "الكارتل الأمني" الذي تحدثنا عنه قد يسيطر على السلطة بشكل كامل، وهو ما يتناقض مع الحلم الأميركي برؤية "وجه جديد" لإيران. فالحرس الثوري ليس بديلاً ديمقراطياً علمانياً، بل هو الوجه الأكثر تشدداً وقمعاً للنظام نفسه.

وهنا يكمن التناقض في الاستراتيجية الأميركية. فالضربات العسكرية تأتي بعد أسابيع قليلة من محادثات جنيف النووية، التي أشار وزير خارجية عُمان إلى أنها حققت تقدماً كبيراً باتفاق "صفر تخزين" لليورانيوم المخصب، مع قبول إيراني بتحويل المخزون إلى وقود غير قابل للعكس تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فهل كانت المفاوضات مجرد غطاء دبلوماسي للاستعداد العسكري، كما يرى خبراء صينيون؟ أم أن واشنطن أرادت تأمين تفاهم نووي قبل توجيه الضربة القاضية للنظام؟

إذن، كيف نجيب على سؤال "هل نكتب شهادة الوفاة؟" الإجابة معقدة ومتداخلة، لكن يمكن صياغتها على النحو التالي: نعم، يمكن القول إن المشروع الثوري الذي انطلق عام 1979 بحلم تصدير الثورة وتأسيس نظام إسلامي عالمي قد دخل مرحلة الاحتضار السياسي، حيث تتهاوى أركان نفوذه الإقليمي الواحد تلو الآخر، ويعاني اقتصاده من انهيار منهك جعل المواطن الإيراني يفقد الثقة بوعود العدالة والاستقلال التي رفعتها الثورة قبل أكثر من أربعة عقود. لكن الموت السريري للمشروع لا يعني بالضرورة الانهيار الفوري للدولة، ولا يعني أن البديل سيكون بالضرورة علمانياً أو ديمقراطياً. تقارير الـ CIA تشير إلى أن الحرس الثوري قد يمسك بزمام الأمور، مما يعني استبدال ولاية الفقيه بحكم عسكري مباشر، وهو ما قد يكون أكثر قسوة، وإن كان أقل أيديولوجية.

ما قد نشهده هو مرحلة انتقالية طويلة، قد تنتج وجهاً جديداً لإيران: إما وجهاً أكثر عسكرية تتحول فيه السلطة الفعلية إلى "كارتل أمني، اقتصادي" بقيادة الحرس الثوري يضرب بيد من حديد ويحافظ على جوهر النظام بأي ثمن، أو وجهاً براغماتياً خافت الأيديولوجيا يعطي مساحة أكبر للتقنيين لإدارة البلاد مع الحفاظ على المؤسسات الدينية كغطاء شرعي، أو وجهاً جديداً كلياً في حال نجحت المعارضة في استثمار الغضب الشعبي وفرض انتقال ديمقراطي حقيقي.

ما يحدث في إيران اليوم ليس مجرد أزمة حكومة عابرة، بل هو نهاية طور وتآكل مشروع. التاريخ لن يرحم الحركة الخمينية، لن يتذكرها لصلابتها أو تحدّيها، بل سيتذكرها لقسوتها وجبنها وانتهائها بالتوسل الأخير على مذبح البقاء. السؤال الوحيد المتبقي هو: هل ستسمح النخبة الحاكمة بانتقال مُدار يحافظ على بعض مكتسباتها تحت غطاء الحرس الثوري، أم أن الشارع الإيراني، الذي خرج في انتفاضات متتالية آخرها احتجاجات كانون الأول (ديسمبر) 2025، سيفرض انتقاله الثوري الخاص؟ الوجه الجديد لإيران قادم لا محالة، لكن معالمه لن تتضح إلا بعد حسم الصراع المحتدم داخل النخبة الحاكمة، وبينها وبين شارع ثائر يريد أن يكتب بنفسه الفصل الأخير من هذه القصة الطويلة، وبين قوى خارجية لها أجندتها الخاصة ورؤيتها لمن يخلف النظام.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.